فصل: ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة

فمن الحوادث فيها خروج المنصور إلى الشام

ومضيه إلى بيت المقدس وتوجيهه يزيد بن حاتم إلى إفريقية في خمسين ألفًا لحرب الخوارج الذين قتلوا عامله عمر بن حفص وأنفق المنصور على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم‏.‏

وفيها‏:‏ غزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي ‏.‏

وفيها‏:‏ عزم المنصور على بناء مدينة الرافقة فلما أراد بناءها امتنع أهل الرقة وأرادوا محاربته وقالوا‏:‏ يعطل علينا أسواقنا ويذهب معايشنا ويضيق منازلنا فهم بنحاربتهم ‏.‏

والرافقة على شط الفرات كانت الرقة إلى جانبها فخربت الرقة ‏.‏

والرافقة تعرف اليوم بالرقة ‏.‏

وفيها‏:‏ وقعت صاعقة في المسجد الحرام تلت ستة نفر ‏.‏

وفيها‏:‏ أمر المنصور موسى بن دينار حاجب أبي العباس بقطع أيدي بني أخي - أبي - أيوب المورياني وأرجلهم وضرب أعناقهم ‏.‏

وكتب بذلك إلى المهدي ففعل موسى فيهم ما أمره به ‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس محمد بن إبراهيم وهو كان العامل على مكة والطائف ‏.‏

وكان على المدينة الحسن بن زيد وعلى الكوفة محمد بن سليمان وعلى البصرة عبد الملك بن أيوب وعلى قضائها سوار وعلى السند هشام بن عمرو وعلى إفريقية يزيد بن حاتم وعلى مصر محمد بن سعيد ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

إبراهيم بن يزيد بن شراحيل أبو خزيمة

دخل على عبد الله بن الحارث بن جزء وروى عن يزيد بن أبي حبيب وروى عنه المفضل بن فضالة وجرير بن حازم ورشدين بن سعد وولي القضاء بنصر بعد أن عرضه الأمير عبد الملك بن يزيد أبو عون على السيف ‏.‏

توفي في هذه السنة ‏.‏

أشعب الطامع ويقال أن اسمه شعيب واسم أبيه جبير‏:‏ ولد أشعب سنة تسع من الهجرة وكان أشعب خال الأصمعي وقيل‏:‏ خال الواقدي ‏.‏

وفي كنيته قولان أحدهما‏:‏ أبو العلاء والثاني‏:‏ أبو إسحاق ‏.‏

وفي اسم أمه ثلاثة أقوال أحدها‏:‏ جعدة مولاة أسماء بنت أبي بكر والثاني‏:‏ أم حميدة والثالث‏:‏ أم حميدة بفتح الحاء ‏.‏

واتفقوا أنه مولى واختلفوا في مولاه على أربعة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ عثمان بن عفان الثاني‏:‏ سعيد بن العاص والثالث‏:‏ عبد الله بن الزبير والرابع‏:‏ فاطمة بنت الحسين ‏.‏

وعمر دهرًا طويلًا وكان قد أدرك زمن عثمان بن عفان قرأ القرآن وتنسك ‏.‏

وروى عن عبد الله بن جعفر والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعكرمة ‏.‏

وتوفي في هذه السنة وله أخبار طريفة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر الشافعي قال‏:‏ حدثنا محمد بن الحسين بن سماعة قال‏:‏ حدثني عبد الله بن سوادة قال‏:‏ حدثنا أحمد بن شجاع قال‏:‏ حدثنا أبو العباس نسيم الكاتب قال‏:‏ قيل لأشعب‏:‏ طلبت العلم وجالست الناس ثم تركت فلو جلست لنا فسمعنا منك قال‏:‏ نعم فجلس لهم فقالوا‏:‏ حدثنا فقال‏:‏ سمعت عكرمة يقول‏:‏ سمعت ابن العباس يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ خلتان لا تجتمعان في مؤمن‏"‏ ثم سكت فقالوا‏:‏ ما الخلتان فقال‏:‏ نسي عكرمة واحدة ونسيت أنا الأخرى ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني أبو الحسن محمد بن عبد الواحد قال‏:‏ حدثنا محمد بن بن عبد الرحيم المازني قال‏:‏ حدثنا أبو الحسن بن مسلم قال‏:‏ حدثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ قال الواقدي‏:‏ لقيت أشعب يومًا فقال لي‏:‏ يا ابن واقد قد وجدت دينارًا فكيف أصنع به قلت‏:‏ تعرفه قال‏:‏ سبحان الله قلت‏:‏ فما الرأي قال‏:‏ أشتري به قميصًا وأعرفه قلت‏:‏ إذًا لا يعرفه أحد قال‏:‏ فذاك أريد ‏.‏

- قال المصنف -‏:‏ وقد نقلت عن أشعب كلمات مضحكات ونوادر ‏.‏

قال الهيثم بن عدي‏:‏ أسلمته فاطمة بنت الحسين إلى البزازين فقيل له‏:‏ أين بلغت من معرفة البز قال‏:‏ أحسن أنشر ولا أحسن أطوي وأرجو أن أتعلم الطي ‏.‏

ومر برجل يتخذ طبقًا فقال‏:‏ اجعله واسعًا لعلهم أن يهدون إلينا فيه ‏.‏

وقال أبو عبد الرحمن المقري‏:‏ قال أشعب‏:‏ ماخرجت في جنازة قط فرأيت اثنين يتشاوران إلا ظننت أن الميت قد أوصى لي بشيء ‏.‏

قال سليمان الشاذكوني‏:‏ كان لي بني في المكتب فانصرف إلي يومًا فقال‏:‏ يا أبت ألا أحدثك بطريف فقلت‏:‏ هات فقال‏:‏ كنت أقرأ على المعلم أن أبي يدعوك وأشعب الطامع عنده جالس فلبس نعليه وقال‏:‏ امش بين يدي فقلت‏:‏ إنما أقرأ عشري فقال‏:‏ عجبت أن تفلح أو يفلح أبوك ‏.‏

سعيد بن يزيد أبو شجاع القتباني‏:‏ روى عنه الليث بن سعد وابن المبارك وكان ثقة من العباد المجتهدين ‏.‏

كان إذا أصبح عصب ساقه من طول القيام ‏.‏

توفي بالإسكندرية - في هذه السنة - سليمان بن أبي سليمان المورياني مولى بني سليم‏:‏ كان قديمًا مع ابن هيبرة ثم استكتبه المنصور ثم أخبر المنصور أن خالدًا أخا أبي أيوب وكان بالأهواز قد جمع مالًا عظيمًا فغضب عليه المنصور فحبسه وحبس أخاه خالدًا وبني خيه وقطع أيدي بني أخيه وقتلهم على ما سبق ذكره ‏.‏

وكان أبو أيوب - سليمان - كريمًا جوادًا ‏.‏

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا أبو الطيب الطبري قال‏:‏ أخبرنا المعافى بن زكريا قال‏:‏ حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال‏:‏ حدثنا محمد بن المرزبان قال‏:‏ حدثنا عمر بن شبة قال‏:‏ حدثنا علي بن إسماعيل بن هيثم قال‏:‏ ابن شبرمة‏:‏ زوجت ابني على ألفي درهم فلم أقدر عليها ففكرت فيمن أقصد فوقع في قلبي أبو أيوب المورياني فدخلت عليه فقال‏:‏ لك ألفان فلما نهضت لأقوم قال‏:‏ والمهر ألفان فأين الجهاز ثم قال‏:‏ ألفان للجهاز فذهبت لأقوم فقال‏:‏ المهر والجهاز فأين الخادم ولك ألفان للخادم فذهبت لأقوم فقال‏:‏ والشيخ لا يصيب شيئًا ولك ألفان فلم أزل أقوم ويقعدني حتى انصرفت من عنده بخمسين ألفًا ‏.‏

وقال أبو بكر الصولي‏:‏ حدثنا محمد بن سعيد الأصم قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد أبو هفان قال‏:‏ حدثنا العباس بن إبراهيم قال‏:‏ كان أبو أيوب إذا دعاه المنصور يصفر ويرعد فإذا خرج من عنده تراجع لونه فقيل له‏:‏ إنا نراك مع كثرة دخولك إلى أمير المؤمنين وأنسه بك إذا دخلت إليه ترعد فقال‏:‏ مثلي ومثلكم في هذا كمثل بازي وديك تناظرا فقال البازي للديك‏:‏ ما أعرف أقل وفاء منك فقال‏:‏ وكيف ذلك فقال‏:‏ تؤخذ بيضة ويحضنك أهلك وتخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا وهاهنا وصحت فإذا علوت حائط دار كنت فيها سنين طرت منها وتركتها وصرت إلى غيرها ‏.‏

وأنا أؤخذ من الحبال وقد كبرت فأطعم الشيء اليسير وأؤنس يومًا أو يومين ثم أطلق على الصيد فأطير وحدي وآخذه وأجيء به إلى صاحبي ‏.‏

فقال له الديك‏:‏ - ذهبت عنك الحجة - أما لو رأيت بازيًا في سفود ما عدت إليهم أبدًا وأنا في كل وقت أرى السفافيد مملوءة ديوكًا وأبيت معهم فأنا أكثر وفاء منك ولو عرفتم من المنصور ما أعرف لكنتم أسوأ حالًا مني عند طلبه إياكم توفي أبو أيوب في هذه السنة ‏.‏

عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المديني‏:‏ وكان من أحسن الناس صورة ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا علي بن أبي الزبير بن بكار قال‏:‏ حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري عن أبي هريرة بن جعفر المخزومي‏:‏ أن الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وعبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب خطبا امرأة من قريش فاختلف عليها في جمالها فجعلت تسأل وتبحث إلى أن خرجت تريد صلاة العتمة في المسجد فرأتهما قائمين في القمر يتعاتبان في أمرها فنظرت إلى بياض عبد العزيز وطوله فتزوجته فجمع الناس وأولم لدخولها فبعث إلى محمد بن عبد الله بن عمرو فدعاه فيمن دعاه فأكرمه وأجلسه في مجلس شريف فلما فرغ الناس برك له محمد بن عبد الله بن عمرو وخرج وهو يقول‏:‏ وبينا أرجي أن أكون وليها رميت بعرق من وليمتها سخن قال الزبير‏:‏ وحدثني مصعب بن عثمان ومحمد بن الضحاك الخزامي ومحمد بن الحسن المخزومي وغيرهم‏:‏ أن عبد العزيز بن عبد الله كان فيمن أسر مع محمد بن عبد الله بن حسن فلما قتل محمد حمل عبد العزيز إلى المنصور في حديد فلما دخل عليه قال له‏:‏ ما رضيت أن خرجت علي حتى خرجت معك بثلاثة أسياف من ولدك فقال له عبد العزيز‏:‏ يا أمير المؤمنين صل رحمي واعف عني واحفظ في عمر بن الخطاب فقال‏:‏ أفعل فعفى عنه فقال له عبد الله بن الربيع‏:‏ يا أمير المؤمنين اضرب عنقه لا يطمع فيك فتيان قريش فقال له المنصور‏:‏ إذا قتلت هذا فعلى من تحب أن أتأمر ‏.‏

علي بن صالح بن حي ولد هو وأخوه الحسن توأمًا في بطن وكان علي قد تقدم بساعة وكان الحسن يعظمه ويقول‏:‏ قال أبو محمد ‏.‏

وكان علي كثير العبادة وأسند عن جماعة من التابعين وتوفي في هذه السنة ‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الملك قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن الحسن بن خيرون قال‏:‏ قرئ على أبي علي بن شاذان أن أحمد بن كامل القاضي أخبرهم قال‏:‏ حدثنا عيسى بن إسحاق الأنصاري قال‏:‏ حدثنا أحمد بن عمران البغدادي قال‏:‏ حدثنا يحيى بن آدم قال‏:‏ حدثنا الحسن بن حي قال‏:‏ قال لي أخي علي في الليلة التي توفي فيها‏:‏ اسقني ماء وكنت قائمًا أصلي فلما قضيت الصلاة أتيته بناء فقلت يا أخي فقال‏:‏ لبيك فقلت‏:‏ هذا ماء فقال‏:‏ قد شربت الساعة فقلت من سقاك وليس في الغرفة غيري وغيرك قال‏:‏ أتاني جبريل الساعة بناء فسقاني وقال لي‏:‏ أ ت وأخوك وأبوك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ‏.‏

وخرجت روحه رحمة الله عليه ‏.‏

الفضل بن عطية الخراساني المروزي مولى بني عبس‏:‏ روى عن سالم بن عبد الله ‏.‏

أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال‏:‏ أخبرنا أبو طالب محمد بن غيلان قال‏:‏ حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي قال‏:‏ حدثنا محمد بن علي السرخسي قال‏:‏ حدثنا عبد الوهاب قال‏:‏ حدثنا الحسن بن سهل عن سلام بن سالم قال‏:‏ زاملت الفضل بن عطية إلى مكة فلما رحلنا من فيد أنبهني جوف الليل فقلت‏:‏ ما تشاء قال‏:‏ أريد أن أوصي إليك قلت‏:‏ غفر الله لك وأنت صحيح فجزعت من قوله فقال‏:‏ لتقبلن ما أقول لك قلت‏:‏ نعم فأخبرني ما الذي حملك عليها هذه الساعة قال‏:‏ أريت في منامي ملكين فقالا‏:‏ إنا قد أمرنا بقبض روحك فقلت لهم‏:‏ لو أخرتماني إلى أن أقضي نسكي فقال‏:‏ إن الله عز وجل قد تقبل منك نسكك ثم قال أحدهما للآخر‏:‏ إفتح إصبعيك ففتح السبابة والوسطى فخرج من بينهما ثوبان ملأت خضرتهما ما بين السماء والأرض فقالا‏:‏ هذا كفنك من الجنة ثم طواه وجعله بين إصبعيه فما وردنا المنزل حتى قبض فإذا امرأة قد استقبلتنا وهي تسأل الرفاق‏:‏ هل فيكم الفضل بن عطية فلما انتهت إلينا قلت‏:‏ ما حاجتك إلى الفضل هذا الفضل زميلي فقالت‏:‏ رأيت في المنام أنه يصبحنا اليوم رجل ميت يسمى الفضل بن عطية من أهل الجنة فأحببت - أن أشهد - الصلاة عليه ‏.‏

محمد بن عمران بن إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني أبو سليمان ولي القضاء بالمدينة لبني أمية ثم ولاه ذلك المنصور وكان مهيبًا قليل الحديث و مات بالمدينة في هذه السنة وهو على القضاء فبلغ موته المنصور فقال‏:‏ اليوم استوت قريش ‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر قال‏:‏ حدثنا محمد بن علي بن ميمون قال‏:‏ حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي العلوي وأبو الفرج محمد بن أحمد بن غيلان - قالا‏:‏ أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الفزاري قال‏:‏ حدثني أبو القاسم الحسن بن محمد السكوني قال‏:‏ - حدثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي قال‏:‏ حدثني الزبير بن بكار قال‏:‏ حدثني عمر بن أبي بكر عن نمير المدني قال‏:‏ قدم علينا أمير المؤمنين المنصور المدينة ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه وأنا كاتبه فاستعدى الحمالون على أمير المؤمنين في شيء ذكروه فأمرني أن أكتب إليه كتابًا بالحضور معهم وإنصافهم فقلت‏:‏ اعفني من هذا فإنه يعرف خطي فقال‏:‏ اكتب فكتبت ثم ختمه وقال‏:‏ لا يمضي به والله غيرك فمضيت به إلى الربيع وجعلت أعتذر إليه فقال‏:‏ لا تفعل فدخل عليه بالكتاب ثم خرج الربيع فقال للناس وقد حضر وجوه أهل المدينة والأشراف وغيرهم‏:‏ إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم‏:‏ إني قد دعيت إلى مجلس الحكم فلا أعلمن أحدًا قام إلي إذا خرجت أو بدأني بالسلام ‏.‏

قال‏:‏ ثم خرج المسيب بين يديه والربيع وأنا خلفه في إزار ورداء فسلم على الناس فما قام إليه أحد ثم مضى حى بدأ بالقبر فسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم التفت إلى الربيع فقال‏:‏ يا ربيع ويحك أخشى إن رآني محمد بن عمران أن يدخل قلبه هيبة فيتحول عن مجلسه وتالله لئن فعل لا ولي لي ولاية أبدًا ‏.‏

قال‏:‏ قلما رآه - وكان متكئًا - أطلق رداءه على عاتقه ثم اجتبى به ودعى بالخصوم وبالحمالين ثم دعا بأمير المؤمنين ثم ادعوا وحكم عليه لهم فلما دخل الدار قال‏:‏ للربيع‏:‏ اذهب فإذا قام وخرج من عنده من الخصوم فادعه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ما دعا بك حتى تفرغ من أمر الناس جميعًا فدعاه فلما دخل عليه سلم فقال‏:‏ جزاك الله عن دينك وعن بنيك وعن حسبك وعن حليفتك أحسن الجزاء قال‏:‏ قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار فاقبضها فكانت عامة أموال محمد بن عمران الطلحي من تلك الصلة ‏.‏

ابن عمار أبو عمرو بن العلاء القاري وقيل‏:‏ اسمه زبان وقيل‏:‏ سفيان والصحيح أن اسمه كنيته وكان أبوه على طراز الحجاج ‏.‏

وجده عمار حمل رية علي - بن أبي طالب - عليه السلام يوم صفين ‏.‏

ولد أبو عمرو بن العلاء في سنة سبعين في أيام عبد الملك بن مروان ‏.‏

ونشأ بالبصرة وقرأ على مجاهد وسعيد بن جبير والحسن وشيبة بن نصاح ويحيى بن يعمر وابن كثير ‏.‏

وكان مقدمًا في دهره عالمًا بالقراءة عارفًا بوجوهها أعلم الناس بأمور العرب مع صدق وصحة سماع ‏.‏

وكان قد كتب عن العرب الفصحاء ما ملأ به بيتًا إلى قريب من السقف ثم أنه تقرى فأحرقها كلها فلما رجع من بعد إلى علمه لم يكن عنده إلا ما قد حفظه وكانت عامة أخباره أعراب قد أدركوا الجاهلية ‏.‏

توفي بالكوفة في هذه السنة وهو ابن أربع وثمانين سنة ‏.‏

 سنة خمس وخمسين ومائة

فمن الحوادث فيها افتتاح يزيد بن حاتم إفريقية وقتله أبا غازي وأبا حاتم ومن كان معهما واستقامة بلاد المغرب ودخول يزيد القيروان ‏.‏

وفيها‏:‏ غزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي ‏.‏

وفيها‏:‏ وجه المنصور ابنه المهدي لبناء مدينة الرافقة فشخص إليها فبناها على بناء مدينته ببغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها سوى سورها وخندقها ثم انصرف إلى مدينة السلام ‏.‏

وفيها‏:‏ خندق أبو جعفر على الكوفة والبصرة وضرب عليهما سورًا وجعل ما أنفق في ذلك من أموال أهل المكان ‏.‏

وفيها‏:‏ عزل عبد الملك بن أيوب عن البصرة واستعمل عليها القاسم بن معاوية العكي وضم إليه سعيد بن دعلج وأمره ببناء سور لها يطيف بها وخندق عليها من دون السور ‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وقد ذكرنا أن المنصور لما أراد الأمر ببناء سور الكوفة وبحفر خندق لها أمر بقسمة خمسة دراهم على أهل الكوفة وأراد بذلك علم عددهم فلما علم عددهم أمر بجبايتهم اربعين درهمًا من كل إنسان فجبوا ثم أمر بإنفاق ذلك على سور الكوفة وحفر الخندق فقال شاعرهم‏:‏ يا لقومي ما لقينا من أمير المؤمنينا وفي هذه السنة‏:‏ طلب ملك الروم الصلح من المنصور على أن يؤدي إليه الجزية ‏.‏

وفيها‏:‏ عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة وأغرمه مالًا وغضب عليه بسه ثم رضي عنه واستعمل على حرب الجزيرة وخراجها موسى بن كعب ‏.‏

وفيها‏:‏ عزل المنصور محمد بن سليمان بن علي عن الكوفة واستعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيب بن زهير ‏.‏

وقال عمر بن شبة‏:‏ إنما كان هذا في سنة ثلاث وخمسين ‏.‏

وعمرو هو الذي حفر الخندق بالكوفة ‏.‏

واختلفوا في سبب عزله لمحمد بن سليمان ‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ إنما عزله لأمور قبيحة بلغته عنه اتهمه فيها ‏.‏

وقال آخرون‏:‏ بل كان السبب أنه أتى في عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبي العوجاء وكان خال معن بن زائدة فكثر شفعاؤه إلى أبي جعفر ولم يشفع فيه إلا ظنين فأمر بالكتاب إلى محمد بن سليمان بالكف عنه إلى أن يأتيه رأيه فيه ‏.‏

فكلم ابن أبي العوجاء أبا الجبار فقال له‏:‏ إن أخرني الأمير ثلاثة أيام فله مائة ألف درهم ولك كذا وكذا فأعلم أبو الجبار محمدًا فقال‏:‏ أذكرتنيه والله كنت قد نسيته فإذا انصرفت من الجمعة فاذكرنيه ‏.‏

فلما انصرف أذكره إياه فأمر بضرب عنقه فلما أيقن أنه مقتول قال‏:‏ أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام ولقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم فضربت عنقه ‏.‏

وورد محمد على رسول أبي جعفر بكتابه‏:‏ إياك أن تحدث في ابن أبي العوجاء شيئًا فإنك إن فعلت فعلت بك وفعلت بتهدده ‏.‏

فقال للرسول‏:‏ هذا رأس ابن أبي العوجاء وهذا بدنه مصلوبًا بالكناسة فأخبر أمير المؤمنين ‏.‏

فلما بلغ الرسول أبا جعفر رسالته تغيظ عليه وأمر بعزله ثم قال‏:‏ والله لقد هممت أن أقيده به ثم أرسل إلى عيسى بن علي فأتاه فقال‏:‏ هذا عملك أنت أشرت بتولية هذا الغلام فوليته غلامًا جاهلًا لا علم له بنا يأتي يقدم على رجل فيقتله من غير أن رأى ولا ينتظر أمري وقد كتبت بعزله وبالله لأفعلن يتهدده كت عنه عيسى حتى سكن غضبه ثم قال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن محمدًا إنما قتل هذا الرجل على الزندقة فإن كان قتله صوابًا فهو لك وإن كان خطأ فعلى محمد والله يا أمير المؤمنين لئن عزلته على تفية ما صنع لترجعن القالة من العامة عليك ‏.‏

فأمر بالكتب فمزقت وأقره على عمله ‏.‏

وفيها‏:‏ عزل الحسن بن زيد عن المدينة واستعمل عليها عبد الله بن علي وجعل معه فليح بن سليمان مشرفًا عليه ‏.‏

وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم وعلى الكوفة عمرو بن زهير وعلى البصرة الهيثم بن معاوية وعلى إفريقية يزيد بن حاتم وعلى مصر محمد بن سعيد ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

كان على المظالم بنصر وهو آخر من ولي لبني أمية وكان فاضلًا من أعدل ولاتهم ‏.‏

روى عنه الليث وابن لهيعة ورشدين بن سعد ‏.‏

وتوفي في هذه السنة ‏.‏

أبو هاشم الزاهد من قدماء زهاد بغداد ومن أقران أبي عبد الله البراثي ‏.‏

كان سفيان الثوري يقول‏:‏ ما زلت أرائي وأنا لا أشعر حتى جالست أبا هاشم الزاهد فأخذت من ترك الرياء، وكان أبو هاشم يقول‏:‏ أخذ المرء نفسه بحسن الأدب تأديب أهله ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال‏:‏ أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب الوراق قال‏:‏ حدثنا أبو مسروق قال‏:‏ حدثنا محمد بن الحسن قال‏:‏ حدثني بعض أصحابنا قال‏:‏ قال أبو هاشم الزاهد‏:‏ إن الله تعالى وسم الدنيا بالوحشة ليكون أنس المريدين به دونها ليقبل المطيعون له بالإعراض عنها فأهل المعرفة بالله مستوحشون لى الآخرة مشتاقون ‏.‏

قال ابن مسروق‏:‏ وحدثنا محمد بن الحسين قال‏:‏ حدثنا حكيم بن جعفر قال‏:‏ نظر هاشم إلى شريك القاضي يخرج من دار يحيى بن خالد فبكى وقال‏:‏ أعوذ بالله من علم لا ينفع ‏.‏

 سنة ست وخمسين ومائة

فمن الحوادث فيها غزوة زفر بن عاصم الهلالي الصائفة وأن الهيثم بن معاوية عامل أبي جعفر على البصرة ظفر بعمرو بن شداد عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس فقتل بالبصرة وصلب‏.‏

وفيها‏:‏ عزل أبو جعفر الهيثم بن معاوية عن البصرة وأعمالها فاستعمل سوار بن عبد الله على البصرة وجمع له القضاء والصلاة وولى سعيد بن دعلج شرطها وأحداثها ‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس العباس بن محمد بن علي أخو المنصور وكان العامل فيها على مكة محمد بن إبراهيم وهو ابن أخي المنصور وكان مقيمًا بمدينة السلام وابنه إبراهيم خليفته بنكة وكان إليه مع مكة الطائف وكان على الكوفة عمرو بن زهير وعلى الأحداث والجوالي والشرطة وصدقات أرض العرب بالبصرة سعيد بن دعلج وعلى الصلاة والقضاء بها سوار وعلى كور دجلة والأهواز وفارس عمارة بن حمزة وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو وعلى إفريقية يزيد بن حاتم وعلى مصر محمد بن سعيد ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

رباح بن أبي يزيد اللخمي‏:‏ كان من أهل إفريقية وكان عالمًا زاهدًا يضرب بعبادته المثل وهو أخو قحذم بن يزيد الذي كان عابدًا بالإسكندرية ‏.‏

رؤبة بن العجاج واسم العجاج عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر ويكنى أبا الجحاف با العجاج‏:‏ روى عن أبي الشعشاء عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من رجاز الإسلام وفصحائهم المقدمين منهم وهو بدوي سكن البصرة ومدح بني أمية وبني العباس وتوفي في أيام المنصور وقد أخذ عنه وجوه أهل اللغة واحتجوا بشعره ‏.‏

والرؤبة اسم يقع على أشياء منها اللبن الخاثر وماء الفحل والحاجة والساعة تمضي من الليل وغير ذلك ‏.‏

وكان يونس النحوي يقول‏:‏ ما رأيت عربيًا قط أفصح من رؤبة ما كان معد بن عدنان أفصح منه وكان رؤبة يأكل الفأر فعوتب على ذلك فقال‏:‏ هي أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللاتي تأكلن العذرة وهل يأكل الفأر إلا نقي البر ولباب الطعام ‏.‏

ولما توفي قال الخليل بن أحمد‏:‏ دفنا الشعر واللغة والفصاحة اليوم ‏.‏

حمزة بن حبيب الزيات ويكنى أبا عمارة مولى لآل عكرمة بن ربعي التيمي‏:‏ كان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويجلب من حلوان الجبن والجوز إلى الكوفة ‏.‏

وكان صاحب قرآن وفرائض صدوقًا صاحب سنة، وقد أسند عن الأعمش ‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي منصور قال‏:‏ أخبرنا أبو سهل بن سعدويه قال‏:‏ أخبرنا محمد بن الفضل القرشي قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر من مردويه قال‏:‏ حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن أحمد قال‏:‏ حدثنا جعفر بن أحمد بن فارس قال‏:‏ سمعت عبد الرحمن بن عمر يقول‏:‏ سمعت جرير بن عبد الحميد يقول‏:‏ مر بنا حمزة بن حبيب فاستسقى فأتيته بناء فقال‏:‏ أنت ممن يحضرنا في القراءة قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ لا حاجة لي في مائك ‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسن بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا أبو الوليد بن عتبة بن عبد الملك العثماني قال‏:‏ حدثنا أبو الطيب عبد المنعم بن عبد الله بن غلبون المقرئ قال‏:‏ حدثنا أبو بكر محمد بن نصر بن هارون السامري قال‏:‏ أخبرنا سليمان بن جبلة قال‏:‏ أخبرنا ريس بن عبد الكريم الحداد قال‏:‏ أخبرنا خلف بن هشام البزاز قال‏:‏ قال لي سليم بن عيسى‏:‏ دخلت على حمزة بن حبيب الزيات فوجدته يمرغ خديه في الأرض ويبكي فقلت‏:‏ أعيذك بالله فقال‏:‏ رأيت البارحة في منامي كأن القيامة قد قامت وقد دعي بقراء القرآن فكنت فيمن حضر فسمعت قائلًا يقول بكلام عذب‏:‏ لا يدخل علي إلا من عمل بالقرآن فرجعت القهقرى فهتف باسمي‏:‏ أين حمزة بن حبيب الزيات فقلت‏:‏ لبيك داعي الله فبدرني ملك فقال قل‏:‏ لبيك اللهم لبيك فقلت كما قال لي فأدخلني دارًا فيها ضجيج القرآن فوقفت أرعد فسمعت قائلًا يقول‏:‏ لا بأس عليك اقرأ وأرق فأدرت وجهي فإذا أنا بننبر من در أبيض دفتاه من ياقوت أصفر مراقيه من زبرجد أخضر فقال لي‏:‏ اقرأ سورة الأنعام ‏.‏

فقرأت وأنا لا أدري على من أقرأ حتى بلغت الستين آية فلما بلغت‏:‏ ‏{‏وهو القاهر فوق عباده‏}‏ قال لي‏:‏ يا حمزة ألست القاهر فوق عبادي فقلت‏:‏ بلى قال‏:‏ صدقت اقرأ فقرأت حتى أتممتها فقال لي‏:‏ اقرأ فقرأت الأعراف حتى بلغت آخرها وأومأت إلى الأرض بالسجود فقال لي‏:‏ حسبك ما مضى لا تسجد يا حمزة من أقرأك هذه القراءة فقلت‏:‏ سليمان فقال‏:‏ صدقت من أقرأ سليمان قلت‏:‏ يحيى قال‏:‏ صدق يحيى على من قرأ يحيى فقلت‏:‏ على أبي عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ صدق أبو عبد الرحمن السلمي من أقرأ أبا عبد الرحمن فقلت‏:‏ ابن عم نبيك علي فقال‏:‏ صدق علي فمن أقرأ عليًا قلت‏:‏ نبيك محمد صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ومن أقرأ نبيي قال‏:‏ قلت جبريل عليه السلام قال‏:‏ ومن أقرأ جبريل فسكت فقال لي‏:‏ يا حمزة قل أنت فقلت‏:‏ ما أجسر أن أقول أنت فقال‏:‏ قل أنت فقلت‏:‏ أنت فقال‏:‏ صدقت يا حمزة وحق القرآن لأكرمن أهل القرآن لا سيما إذا عملوا بالقرآن حمزة القرآن كلامي وما أحب أحدًا كحبي أهل القرآن ادن يا حمزة فدنوت فضمخني بالغالية وقال‏:‏ ليس أفعل بك وحدك قد فعلت ذلك بنظرائك بنن فوقك ومن دونك ومن أقرأ القرآن كما أقرأته لم يزد بذلك غيري وما خبأت لك يا حمزة عندي أكثر فأعلم أصحابك مكاني من حبي لأهل القرآن وفعلي بهم فهم المصطفون الأخيار يا حمزة وعزتي وجلالي لا أعذب لسانًا تلى القرآن بالنار ولا قلبًا وعاه ولا أذنًا سمعته ولا عينًا نظرته فقلت‏:‏ سبحانك سبحانك أي رب فقال‏:‏ يا حمزة أين نظار المصاحف فقلت‏:‏ يا رب أفحفاظ هم قال‏:‏ لا ولكني أحفظه لهم حتى يوم القيامة فإذا لقوني رفعت لهم بكل آية درجة ‏.‏

أفتلومني أن أبكي وأتمرغ في التراب ‏.‏توفي حمزة بحلوان في هذه السنة ‏.‏

سعيد بن أبي عروبة أبو النضر البصري واسم أبي عروبة مهران مولى لبني عدي بن يشكر‏:‏ سمع النضر بن أنس وغيره وكان كثير الحديث إلا أنه اختلط في آخر عمره وتوفي في هذه السنة ‏.‏

عبد الرحمن بن زياد بن أنعم أبو خالد الأفريقي‏:‏ سمع أبا عبد الرحمن الحبلي وغيره ‏.‏

روى عنه سفيان الثوري وابن لهيعة ‏.‏

وكان أول مولود ولد بإفريقية في الإسلام ‏.‏

وولي القضاء بها لمروان بن محمد ووفد إلى المنصور في بيعة أهل إفريقية وشكى إليه جور العمال ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثاب قال‏:‏ أخبرنا البرقاني قال‏:‏ حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي قال‏:‏ حدثنا محمد بن علي الأيادي قال‏:‏ حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال‏:‏ حدثني أحمد بن محمد قال‏:‏ حدثني الهيثم بن خارجة قال‏:‏ حدثنا إسماعيل بن عياش قال‏:‏ ظهر بإفريقية جور من السلطان فلما قام ولد العباس قدم عبد الرحمن بن زياد على أبي جعفر فشكى إليه عمال ببلده فأقام ببابه أشهرًا ثم دخل عليه فقال‏:‏ ما أقدمك قال‏:‏ ظهر الجور ببلدنا فجئت لأعلمك فإذا الجور يخرج من دارك فغضب أبو جعفر وهم به ثم أمر بإخراجه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني الأزهري قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال‏:‏ أخبرني أبو العباس المنصوري قال‏:‏ حدثنا محمد بن يوسف قال‏:‏ أخبرنا محمد بن يزيد عن ابن إدريس عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال‏:‏ أرسل أبو جعفر إلي‏:‏ فقدمت عليه فدخلت والربيع قائم على رأسه فاستدناني ثم قال‏:‏ يا عبد الرحمن كيف ما مررت به من أعمالنا إلى أن وصلت إلينا قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين رأيت أعمالًا سيئة وظلمًا فاشيًا ظننته أبعد البلاد منك فجعلت كلما دنوت منك كان أعظم للأمر ‏.‏

فنكس رأسه طويلًا ثم رفعه إلي فقال‏:‏ كيف لي بالرجال قلت‏:‏ أفليس عمر بن عبد العزيز كان يقول‏:‏ الوالي بننزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها فإن كان برًا أتوه ببرهم وإن كان فاجرًا أتوه بفجورهم ‏.‏

قال‏:‏ فأطرق طويلًا فقال‏:‏ لي الربيع وأومأ إلي أن أخرج فخرجت ولم أعد إليه ‏.‏

قال مؤلف الكتاب رحمه الله‏:‏ وقد قيل لأحمد بن صالح الحافظ‏:‏ تحتج بحديث الإفريقي قال‏:‏ نعم هو ثقة وأنكر على من تكلم عليه ‏.‏

وقال يحيى بن معين‏:‏ إنما أنكر عليه الأحاديث ‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وفي هذه السنة توفي وقد جاز المائة ‏.‏

عامر بن إسماعيل المسلي‏:‏ توفي بندينة السلام وصلى عليه المنصور ودفن في مقابر قريش‏.‏

قباث بن رزين بن حميد بن صالح أبو هاشم‏:‏ روى عن علي بن رباح وعكرمة، وروى عنه الليث بن سعد وابن لهيعة وابن المبارك وابن وهب وكان إمام مسجد مصر يقرئ القرآن في جامعها‏.‏

توفي في هذه السنة ‏.‏

الهيثم بن معاوية‏:‏ ولي للمنصور البصرة وغيرها ‏.‏

وتوفي في هذه السنة فجأه وهو علي بطن جارية له وصلى‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة

فمن الحوادث فيها أن المنصور حول الأسواق من مدينة السلام إلى باب الكرخ وغيره من المواضع ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه قال‏:‏ حدثنا يعقوب بن سفيان قال‏:‏ سنة سبع وخمسين ومائة نقل أبو جعفر الأسواق من المدينة الشرقية إلى باب الكرخ وباب الشعير والمحول وفي السوق التي تعرف بالكرخ وأمر ببنائها من ماله على يدي الربيع مولاه ‏.‏

وفيها‏:‏ وسع طرق المدينة وأرباضها ووضعها على مقدار أربعين ذراعًا وأمر بهدم ما شخص من الدور غير ذلك القدر ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن‏:‏ قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني أبو القاسم الأزهري قال‏:‏ حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن قال‏:‏ أخبرنا ابن عرفة قال‏:‏ لما دخلت سنة سبع وخمسين وكان أبو جعفر قد ولى الحسبة يحيى بن زكريا فاستغوى العامة وزين لهم الجموع فقتله أبو جعفر بباب الذهب وحول أسواق المدينة إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحول وأمر ببناء الأسواق على يد الربيع ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي المحتسب قالا‏:‏ أخبرنا محمد بن جعفر النحوي قال‏:‏ حدثنا الحسن بن محمد السكوني قال‏:‏ قال محمد بن خلف‏:‏ قال الخوارزمي يعني محمد بن موسى‏:‏ وحول أبو جعفر الأسواق ى الكرخ وبناها من ماله بعد مائة سنة وست وخمسين وخمسة أشهر وعشرين يومًا ثم بدأ بعد ذلك في بناء قصر الخلد على شاطئ دجلة بعد شهر وأحد عشر يومًا ‏.‏

قال محمد بن خلف‏:‏ وأخبرني الحارث بن أبي أسامة قال‏:‏ لما فرغ المنصور من مدينة السلام وصير الأسواق في طاقات مدينته من كل جانب قدم عليه وفد ملك الروم فأمر أن يطاف بهم في المدينة ثم دعاهم فقال للبطريق‏:‏ كيف رأيت هذه المدينة قال‏:‏ رأيت أمرها كاملًا إلا في خلة واحدة قال‏:‏ وما هي قال‏:‏ عدوك يخترقها متى شاء وأنت لا تعلم وأخبارك مبثوثة في الآفاق لا يمكنك سترها قال‏:‏ كيف قال‏:‏ الأسواق فيها والأسواق غير ممنوع منها أحد فيدخل العدو كأنه يريد أن يتسوق وأما التجار فإنها ترد الآفاق فيتحدثون بأخبارك قال‏:‏ فزعموا أن المنصور حينئذ أمر بإخراج الأسواق من المدينة إلى الكرخ وأن يبني ما بين الصراة إلى نهر عيسى وولى ذلك محمد بن حبيش الكاتب ودعا المنصور بثوب واسع فحد فيه الأسواق ورتب كل صنف منها في موضعه وقال‏:‏ اجعلوا سوق القصابين في آخر الأسواق فإنهم سفهاء وفي أيديهم الحديد القاطع ثم أمر أن يبنى لأهل الأسواق مسجد يجتمعون فيه يوم الجمعة لا يدخلون المدينة ويفرد لهم ذلك وقلد ذلك رجلًا يقال له‏:‏ الوضاح - بن شبا - ‏.‏

فبنى القصر الذي يقال له قصر الوضاح والمسجد فيه وسميت الشرقية لأنها في شرقي الصراة ولم يضع المنصور على الأسواق غلة حتى مات فلما استخلف المهدي أشار عليه أبو عبيد الله بذلك وأمر فوضع على الحوانيت الخراج وولى ذلك سعيد الحرسي سنة سبع وستين ومائة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا - أبو بكر أحمد بن علي - الخطيب قال‏:‏ أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال‏:‏ حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن محمد المروزي قال‏:‏ حدثنا أبو إسحاق محمد بن هارون هاشمي قال‏:‏ حدثنا حميد بن الصباح مولى المنصور قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أراد المنصور أن يذرع الكرخ فقال لي‏:‏ احمل الذراع معك فخرج وخرجت معه ونسيت أن أحمل الذراع فلما صرنا بباب الشرقية قال لي‏:‏ أين الذراع فدهشت وقلت‏:‏ نسيته يا أمير المؤمنين فضربني بالمقرعة فشجني وسال الدم على وجهي فلما رآني قال‏:‏ أنت حر لوجه الله ‏.‏

حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من ضرب عبده في غير حد حتى يسيل دمه فكفارته عتقه‏"‏‏.‏

وفيها‏:‏ ولى المنصور جعفر بن سليمان على البحرين فلم تتم ولايته ووجه مكانه سعيد بن دعلج أميرًا فبعث سعيد ابنه تميمًا ‏.‏

وفيها‏:‏ عرض المنصور جنده في السلاح والخيل في مجلس اتخذه على شط دجلة دون قطربل وأمر أهل بيته وصحايته يومئذ بلبس السلاح وخرج هو وهو لابس درعاٍ وقلنسوة تحت البيضة سوداء لاطئة مضربة ‏.‏

وفيها‏:‏ عقد المنصور الجسر بباب الشعير- وفيها -‏:‏ عزل محمد بن سليمان الكاتب عن مصر واستعمل عليها مولى للمنصور ‏.‏

وفيها‏:‏ ولى معبد بن الخليل السند وعزل عنها هشام بن عمرو ومعبد يومئذ بخراسان كتب إليه‏.‏ وغزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمي في هذه السنة ‏.‏

وقيل‏:‏ إنما غزاها زفر بن عاصم والله أعلم ‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس - إبراهيم - بن يحيى بن محمد وهو كان على المدينة وقيل‏:‏ إنما كان على المدينة عبد الصمد وكان على مكة والطائف قثم وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة وعلى كرمان والسند معبد بن الخليل وعلى مصر مطر مولى المنصور رحمه الله ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

والأوزاع بطن من همذان كذلك ذكر محمد بن سعد ‏.‏

وقال البخاري‏:‏ الأوزاع قرية بدمشق إذا خرجت من - باب - الفراديس ، ولد سنة ثمان وثمانين وسكن بيروت وبها مات ‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال‏:‏ أخبرنا حمد قال‏:‏ أخبرنا إبراهيم قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد بن حيان قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين قال‏:‏ حدثنا عباس بن الوليد قال‏:‏ أخبرني أبي قال‏:‏ سمعت الأوزاعي يقول‏:‏ ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يومًا فيومًا وساعة فساعة فلا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا تقطعت نفسه عليها حسرات فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم مع يوم ‏.‏

قال أبو نعيم‏:‏ وحدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سالم الفامي قال‏:‏ حدثنا محمد بن منصور الهروي قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن عروة قال‏:‏ سمعت يوسف بن موسى القطان يحدث أن الأوزاعي قال‏:‏ رأيت رب العزة في المنام فقال لي‏:‏ يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف تنهى عن المنكر قلت‏:‏ بفضلك يا رب فقلت‏:‏ يا رب أمتني على الإسلام فقال‏:‏ وعلى السنة ‏.‏

أنبأنا محمد بن ناصر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد السمرقندي قال‏:‏ أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الكناني قال‏:‏ أخبرنا عبد الوهاب بن جعفر بن علي الميداني قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن فضالة قال‏:‏ حدثنا أحمد بن أنس قال‏:‏ أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد قال‏:‏ حدثنا عبد الحميد بن بكار عن محمد بن شعيب قال‏:‏ جلست إلى شيخ في المسجد - يعني مسجد دمشق - فقال‏:‏ أنا ميت يوم كذا وكذا فلما كان ذلك اليوم إذا به يقول‏:‏ ما أخذتم السرير خذوه قبل - أن تسبقوا إليه - فقلت‏:‏ رحمك الله قال‏:‏ هو ما أقول لك إني رأيت في المنام كأن طائرًا وقع ى ركن من أركان هذه القبة فسمعته يقول‏:‏ فلان قدري وفلان كذا وأبو حفص عثمان بن أبي عاتكة نعم الرجل وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي خير من يمشي على وجه الأرض وأنا ميت يوم كذا وكذا قال‏:‏ فما حان الظهر حتى مات وأخرجت جنازته ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين علي بن الحسن بن محمد بن جميع الغساني بصيدا قال‏:‏ حدثنا أبي قال‏:‏ حدثنا جدي قال‏:‏ حدثنا أبو كريمة عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز الصيدلاوي قال‏:‏ حدثنا أبو هشام إسماعيل بن عبد الله بن مهرجان البغدادي قال‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد المصري قال‏:‏ حدثنا - محمد - بن مصعب القرقساني عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال‏:‏ أردت بيت المقدس فرافقت يهوديًا فلما صرنا إلى طبرية نزل فاستخرج ضفدعًا فشد في عنقه خيطًا فصار خنزيرًا فقال‏:‏ حتى أذهب فأبيعه من هؤلاء النصارى فذهب فباعه وجاء بطعام ثم ركبنا فما سرنا غير بعيد حتى جاء القوم في الطلب فقال لي‏:‏ أحسبه صار في أيديهم ضفدعًا ‏.‏

قال‏:‏ فحانت مني التفاتة فإذا بدنه بناحية ورأسه بناحية فوقفت وجاء القوم فلما نظروا إليه فزعوا من السلطان ورجعوا عنه ‏.‏

قال‏:‏ فقال لي الرأس‏:‏ رجعوا قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ فالتأم الرأس إلى البدن وركب وركبنا فقلت‏:‏ لا أرافقك أبدًا - اذهب عني- وقد روى هذه الحكاية الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عطية بن قيس قال‏:‏ خرجت أريد بيت المقدس فذكر نحوه ‏.‏

محمد بن طارق المكي‏:‏ روى عن طاووس وروى عنه الثوري، وكان زاهدًا في الدنيا كثير التعبد والطواف ‏.‏

أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد الحداد قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني قال‏:‏ حدثنا أبو بكر بن مالك قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني شريح بن يونس قال‏:‏ حدثنا محمد بن فضيل قال‏:‏ رأيت ابن طارق في الطواف وقد انفرج له أهل الطواف عليه نعلان مطرفتان فحرزنا طوافه في ذلك الزمان فإذا هو يطوف في اليوم والليلة عشر فراسخ ‏.‏

قال أبو نعيم‏:‏ وحدثنا أبي قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال‏:‏ حدثنا علي بن الوليد قال‏:‏ حدثنا محمد بن فضيل قال‏:‏ سمعت ابن شبرمة يقول‏:‏ لو شئت كنت ككرز في تعبده أو كابن طارق حول البيت في الحرم قال‏:‏ وكان طارق يطوف في كل يوم وليلة سبعين أسبوعًا‏.‏

وكان كرز يختم القرآن في كل يوم وليلة ثلاث ختمات ‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة

فمن الحوادث فيها غزوة يزيد بن أسيد السلمي الصائفة وفتحت الطالقان وطبرستان ونهاوند على يدي عمر بن العلاء ‏.‏

ومن الحوادث‏:‏ توجيه المنصور ابنه المهدي إلى الرقة وأمره إياه بعزل موسى بن كعب عن الموصل وتولية - يحيى بن - خالد بن برمك عليها ‏.‏

وسبب ذلك أن المنصور كان ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم ‏.‏

ونذر دمه فيها وأجله بها ثلاثة أيام فقال خالد لابنه يحيى يا بني قد أوذيت وطولبت بنا ليس عندي وإنما يراد بذلك دمي فانصرف - إلى حرمتك وأهلك فما كنت فاعلًا بهم بعد موتي فافعله ثم قال‏:‏ يا بني - لا يمنعك ذلك - من - أن تلقى إخواننا وأن تمر بعمارة بن حمزة وصالح صاحب المصلى ومبارك التركي فتعلمهم حالنا ‏.‏

فأتاهم فأخبرهم فمنهم من تجهمه وبعث مال سرًا ومنهم من لم يأذن له وبعث بالمال في أثره واستأذن على عمارة فدخل عليه وهو في صحن داره مقابل بوجهه الحائط فلما انصرف إليه بوجهه وسلم عليه فرد عليه ردًا ضعيفًا وقال‏:‏ يا بني كيف أبوك قال‏:‏ بخير يقرأ عليك السلام ويعلمك بنا قد لزمه من الغرم ويستسلفك مائة ألف درهم فما رد عليه قليلًا ولا كثيرًا وقال‏:‏ إن أمكنني شيء فسيأتيك فانصرف وهو يقول‏:‏ لعن الله كل شيء يأتي من تيهك وكبرك ‏.‏

ورجع إلى أبيه وأعلمه بالخبر فإذا رسول عمارة قد طلع بالمائة ألف فجمعوا في يومين ألفي ألف وسبع مائة ألف فورد على المنصور‏:‏ انتقاض الموصل وانتشار الأكراد فقال المنصور‏:‏ من لها فقال له المسيب‏:‏ ما رميتها بنثل خالد قال‏:‏ ويحك فيصلح لنا بعد ما أتينا إليه ما أتينا قال‏:‏ إنما كان ذلك تقويمًا له يا أمير المؤمنين وأنا ضامن عليه قال‏:‏ فليحضر غدًا فأحضر فصفح له عن الثلاثمائة ألف وعقد له ‏.‏

فلم يزل خالد على - الموصل إلى - أن توفي المنصور ويحيى على أذربيجان وكان المنصور معجبًا بيحيى وكان يقول‏:‏ ولد الناس أبناء وولد خالد آباء ‏.‏

وروى الجاحظ عن ثمامة قال‏:‏ كان أصحابنا يقولون‏:‏ لم يكن يرى لجليس خالد بن برمك دار إلا وخالد قد بناها ولا ضيعة إلا وهو اشتراها ولا ولدًا إلا وهو اشترى أمه إن كانت أمة أو أمهرها إن كانت حرة ولا دابة إلا وهي من حملانه ‏.‏

وكان خالد أول من سمى أهل الاستماحة والاسترفاد الزوار فقال بعض من قصده‏:‏ وكان بنو الإعدام يدعون قبله بنبر على الإعدام فيه دليل يسمون بالسؤال في كل موطن وإن كان فيهم نابه وجليل فسماهم الزوار سترًا عليهم واستاره في المحتدين سدول وفي هذه السنة‏:‏ نزل المنصور قصره الذي يعرف بالخلد على دجلة وإنما سماه الخلد تشبيهًا له بجنة الخلد وقال‏:‏ إنما ابتنيته لأنظر إلى الماء فإنه يجلو البصر ‏.‏

وكان موضعه وراء باب خراسان وقد اندرس فلا عين - له - ولا أثر ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي - بن ثابت - قال‏:‏ أخبرنا علي بن محمد المعدل قال‏:‏ أخبرنا ابن صفوان قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر القرشي قال‏:‏ حدثني ابن جهور قال‏:‏ مررت مع علي بن - أبي - هاشم الكوفي بالخلد فنظر إلى الآثار فوقف متأملًا وقال‏:‏ بنوا وقالوا لا نموت وللخراب بنى المبني ما عاقل فيما رأيت إلى الحياة بنطمئن أخبرنا أبو منصور قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا ابن رزق قال‏:‏ أخبرنا عثمان بن أحمد قال‏:‏ حدثنا ابن البراء قال‏:‏ حدثنا علي بن ابي مريم قال‏:‏ مررت بسويقة عبد الوهاب وقد خربت منازلها وعلى جدار منها مكتوب‏:‏ صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا إلى القبور فلا عين ولا أثر وفي هذه السنة‏:‏ سخط المنصور على المسيب بن زهير وعزله عن الشرطة وأمر بحبسه وتقييده ‏.‏

وذلك أنه قتل أبان بن بشير الكاتب بالسياط لأمر وجد عليه فيه ثم كلمه فيه المهدي فأعاده ‏.‏

وفيها‏:‏ وجه المنصور نصر بن حرب التميمي واليًا على ثغر فارس ‏.‏

وفيها‏:‏ سقط المنصور عن دابته بجر جرايا فانشج ما بين حاجبيه ‏.‏

وكان قد خرج مشيعًا ولده المهدي لما مضى إلى الرقة ‏.‏

وفيها‏:‏ عاد المهدي من الرقة إلى بغداد فدخلها في شهر رمضان ‏.‏

وفيها‏:‏ أمر المنصور بنرمة القصر الأبيض الذي كان كسرى بناه وأمر أن يغرم كل من وجد في داره شيء من الأجر الخسرواني قال‏:‏ هذا فيء المسلمين فلم يتم ذلك ولا ما أمر به مرمة القصر ‏.‏

وفيها‏:‏ غزا الصائفة معيوف بن يحيى فلقي العدو فاقتتلوا وتحاجزوا ‏.‏

وفيها‏:‏ حبس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي وهو أمير مكة - بأمر المنصور - ابن جريج وعباد بن كثير والثوري ثم أطلقهم من الحبس بغير أمر أبي جعفر فغضب أبو جعفر عليه ‏.‏

وروى عمر بن شبة أن محمد بن عمران مولى محمد بن إبراهيم حدثه عن أبيه قال‏:‏ كتب المنصور إلى محمد بن إبراهيم بن محمد وهو أمير على مكة يأمره بحبس رجل من آل علي بن أبي طالب بمكة ويحبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري ‏.‏

فحبسهم وكان له سمار يسامرونه بالليل فلما كان وقت سمره جلس وأكب على الأرض ينظر إليها ولم ينطق بحرف حتى تفرقوا فدنوت منه فقلت‏:‏ ما لك فقال‏:‏ عمدت إلى ذي رحم فحبسته وإلى عيون من عيون الناس فحبستهم وما أدري ما يكون لعله يأمر بهم فيقتلون فيشتد سلطانه ويهلك ديني ‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ فتصنع ماذا قال‏:‏ أؤثر الله وأطلق القوم اذهب إلى إبلي فخذ راحلة وخذ خمسين دينارًا فأت بها الطالبي وأقرئه السلام وقل له إن ابن عمك يسألك أن تحله من ترويعه إياك وتركب هذه الراحلة وتأخذ هذه النفقة قال‏:‏ فلما أحس بي جعل يتعوذ بالله من شري فلما بلغته قال‏:‏ هو في حل ولا حاجة لي إلى الراحلة والنفقة قال‏:‏ فقلت‏:‏ فإن أطيب لنفسه أن تأخذ ‏.‏

قال‏:‏ ففعل ‏.‏

قال‏:‏ ثم جئت ابن جريج وإلى سفيان وعباد بن كثير بلغتهم ما قال فقالوا‏:‏ هو في حل فقلت‏:‏ يقول لكم‏:‏ لا يظهرن أحد منكم ما دام المنصور بمكة مقيمًا ‏.‏

قال‏:‏ فلما قرب المنصور وجهني بن إبراهيم بألطاف فلما أخبر المنصور أن رسول محمد ابن إبراهيم قدم أمر بالإبل فضربت وجوهها فلما صار إلى بئر ميمون لقيه محمد بن إبراهيم فأمر بدوابه فضربت وجوهها فكان يسير ناحية وعدل بأبي جعفر عن الطريق في الشق الأيسر فأنيخ به ومحمد واقف قبالته ومعه طبيب له فلما ركب أبو جعفر وسار وعديله الربيع أمر محمد الطبيب فمضى إلى موضع مناخ أبي جعفر فرأى نجوه فقال لمحمد‏:‏ رأيت نجو رجل لاتطول به الحياة فلما دخل مكة لم يلبث أن مات وسلم محمد ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ شخص أبو جعفر من مدينة السلام متوجهًا إلى مكة وذلك في شوال فنزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هناك كوكب لثلاث بقين من شوال بعد إضاءة الفجر فبقي أثره بينا إلى طلوع الشمس وكان المهدي معه وهو يوصيه بالمال والسلطان يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه لا يفتر وقال له‏:‏ إني سائر وإني غير راجع فإنا لله وإنا إليه راجعون فاسأل الله بركة ما أقدم عليه وهذا كتاب وصيتي مختومًا فإذا بلغك أني قد مت فانظر فيه ‏.‏

وعلي دين فأحب أن تقضيه وهو ثلاثمائة ألف ونيف فلست أستحلها من بيت مال المسلمين فاضمنها عني وإني ولدت في ذي الحجة ووليت في ذي الحجة وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة وهذا الذي حداني على الحج فاتق الله وإياك والدم الحرام وافتتح عملك بصلة الأرحام وإياك والتبذير ‏.‏

فلما كان في اليوم الذي أراد أن يرتحل فيه دعى المهدي فقال له‏:‏ إني لم أدع شيئًا إلا تقدمت إليك فيه سأوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها وكان له سفط فيه دفاتر فكان لا يأمن ى فتحه أحدًا فقال‏:‏ انظر هذا السفط فاحتفظ به فإن فيه علم آبائك وانظر هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها فإنها مدينتك وعزك وقد جمعت ذلك فيها من الأموال ما لم يجمعه حليفة قبلي فإن حبس عنك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحة الثغور فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزًا ما دام بيت مالك عامر وما أظنك تفعل ‏.‏

وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم والإحسان إليهم وتوليهم المنابر وتعطي الناس أعقابهم فإن عزهم عزك وذلهم ذلك وانظر مواليك فأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم وإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك ‏.‏

وأوصيك بأهل خراسان خيرًا فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودمائهم دون أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئتهم وتخلف من مات منهم في أهله وولده وإياك أن تبني مدينة شرقية فإنك لا تتم بناءها وإياك أن تدخل النساء في مشورتك وأمرك ‏.‏

ثم مضى المنصور إلى الكوفة فنزل الرصافة ثم خرج منها فأهل بالحج والعمرة وساق معه الهدي وأشعره وقلده لأيام خلت من ذي القعدة فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذي توفي فيه ‏.‏

ثم أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا ابن رزق قال‏:‏ أخبرنا إبراهيم بن محمد المزكي قال‏:‏ أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال‏:‏ سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول‏:‏ بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة فقال‏:‏ إن رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه قال‏:‏ فجاء النجارون ونصبوا الخشب ونودي سفيان وإذا رأسه في حجر الفضيل ورجلاه في حجر ابن عيينة ‏.‏

قال‏:‏ فقالوا له‏:‏ يا عبد الله اتق الله ولا تشمت بنا الأعداء ‏.‏

قال‏:‏ فتقدم إلى أستار فأخذها ثم قال‏:‏ برئت منه إن دخلها أبو جعفر ‏.‏

قال‏:‏ فمات قبل أن يدخلها - يعني مكة - فأخبر بذلك سفيان فلم يقل شيئا ‏.‏

وفي هذه السنة توفي المنصور وبويع لولده المهدي ‏.‏

 باب ذكر خلافة المهدي

واسمه محمد بن عبد الله ويكنى أبا عبد الله ولد بأيذج سنة سبع وعشرين ومائة وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية وكان أبيض - قيل‏:‏ أسمر - طويلًا جعدًا وبعينه اليمنى نكتة بياض ‏.‏

قيل‏:‏ كان ذلك باليسرى ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن سلمان النجاد قال‏:‏ حدثنا محمد بن عثمان العبسي قال‏:‏ حدثنا أبي قال‏:‏ حدثنا وكيع قال‏:‏ حدثنا فضيل بن مرزوق عن ميسرة - يعني ابن حبيب - عن المنهال - يعني ابن عمر - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‏:‏ منا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدي، وقد روينا هذا الحديث من حديث الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا والموقوف أصح ‏.‏

حدثنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال‏:‏ حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال‏:‏ حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي قال‏:‏ حدثنا نعيم بن حماد قال‏:‏ حدثنا يحيى بن يمان قال‏:‏ حدثنا سفيان وزائدة عن عاصم ابن أبي وائل - عن زر - عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ المهدي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي‏"‏‏.‏

وكان للمهدي من الولد‏:‏ موسى وهارون والياقوتة وأمهم الخيزران أم ولده ‏.‏

وعلي وعبيد الله وأمهما ريطة بنت أبي العباس السفاح وعباسة وإبراهيم لأم ولد ‏.‏

وكان المنصور أراد أن يولي ابنه صالح بعد المهدي فقال له المهدي‏:‏ يا أمير المؤمنين لا تحملني على قطيعة الرحم فإن كان لابد من إدخال آخر في هذا الأمر فوله لي فإن الأمر إذا صار إلي أحببت ألا يخرج عن ولدي ‏.‏

 ذكر صفة العقد الذي عقد للمهدي بالخلافة

روى علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال‏:‏ خرجت في السنة التي مات فيها أبو جعفر من طريق البصرة وكان أبو جعفر قد خرج على طريق الكوفة فلقيته بذات عرق فسرت معه فلما صار ببئر ميمون نزل بها ودخلنا مكة فقضيت عمرتي ثم كنت أختلف إلى مضربه فأقيم فيه إلى قرب الزوال ثم أنصرف ‏.‏

وأقبلت علته تزداد فلما كانت الليلة التي مات فيها ولم نعلم صليت الصبح في المسجد الحرام مع طلوع الفجر ثم ركبت وأنا أساير محمد بن عون الحارثي فلقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل ورجال يدخلان مكة فقال لي محمد بن عون‏:‏ ما ترى هذين ودخولهما مكة قلت‏:‏ أحسب الرجل قد مات فأرادا أن يحصنا مكة فكان ذلك كذلك فبينا نحن نسير إذا رجل يخفي صوته في طريق ونحن بعد في غلس قد جاء فدخل بين أعناق دابتينا ثم أقبل علينا فقال‏:‏ والله مات الرجل ثم خفي عنا فمضينا حتى دخلنا العسكر فدخلنا إلى السرادق فسمعنا همسًا ‏.‏

من بكاء فقال لي الحسن بن زائدة أتراه قد مات فقلت‏:‏ لعله ثقل أو أصابته غشية فما راعنا إلا بأبي العنبر الخادم الأسود خادم المنصور قد خرج علينا مشقوق الأقبية من بين يديه ومن خلفه وعلى رأسه التراب فصاح‏:‏ وا أمير المؤمنيناه ثم خرج الربيع وفي يده قرطاس فقرأه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من يخلف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم ألقى القرطاس من يده وبكى وبكى الناس ‏.‏

فأخذ القرطاس وقال‏:‏ قد أمكنكم البكاء ولكن هذا عهد أمير لا بد من أن أقرأه عليكم فأنصتوا رحمكم الله فسكت الناس ثم رجع إلى القراءة أما بعد فإني كتبت كتابي هذا‏:‏ وأنا في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة وأنا أقرأ عليكم السلام وأسأل الله ألا يفتنكم ولا يلبسكم شيعًا ولا يذيق بعضكم بأس بعض يا بني هاشم ويا أهل خراسان ثم أخذ في وصيتهم بالمهدي وإذكارهم البيعة له وحضهم على القيام بدولته والوفاء بعهده إلى آخر الكتاب ‏.‏

وكان ذلك شيء قد وضعه الربيع ثم نظر في وجوه الهاشميين وتناول الحسن بن زيد فقال‏:‏ يا أبا محمد قم فبايع فقام الحسن وانتهى به الربيع إلى - موسى بن المهدي فأجلسه بين يديه فتناول الحسن - يد موسى فبايعه للمهدي ثم جاء الربيع إلى محمد بن عون فأنهضه فبايع وبايع الناس ثم قال للهاشميين‏:‏ انهضوا فنهضوا فدخلوا فإذا بالمنصور على سريره في أكفانه مكشوف الوجه فحملناه حتى أتينا بن مكة ثلاثة أميال فكأني أنظر إليه حين أدنو من قائمة سريره حتى أحمله والريح تطير شعر صدغيه وكان قد وفر شعره للحلاق وقد نصل خضابه حتى أتينا به حفرته فدليناه فيها ‏.‏

وبعث موسى بن المهدي والربيع مولى المنصور منارة البربري مولى المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيعة للمهدي وبعثا بعده بقضيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبردته التي يتوارثها الخلفاء مع الحسن السروي وبعث أبو العباس الطوسي بخاتم الخلافة مع منارة أيضًا‏.‏

وفي رواية عن الربيع أنه قال‏:‏ رأى المنصور في طريق الحج رؤيا ففزع منها وقال‏:‏ يا ربيع ما أحسبني إلا ميتًا في وجهي هذا - وأنك تؤكد البيعة للمهدي - ‏.‏

وثقل وهو يقول‏:‏ بادر بي إلى حرم الله وأمنه - يأمن ذنوبي وإسرافي على نفسي - فلما وصل إلى بئر ميمون قلت‏:‏ قد دخلت الحرم فقال‏:‏ الحمد لله وقضى من يومه ‏.‏

وقال الربيع‏:‏ وأمرت بالخيم فضربت وبالفساطيط فهيئت وعمدت إلى أمير المؤمنين فألبسته الطويلة والدراعة وأسندته وألقيت على وجهه كله - رقيقة - يرى منها شخصه ولا يفهم أمره ثم دخلت فوقفت بالموضع الذي أوهمهم أنه يخاطبني ثم خرجت فقلت‏:‏ إن أمير المؤمنين مفيق بمن الله وهو رأ عليكم السلام ويقول‏:‏ إني أحب أن يؤكد الله أمركم ويكبت عدوكم ويسر وليكم وقد أحببت أن تجددوا البيعة لأبي عبد الله المهدي كيلا يطمع فيكم عدو ولا باغ فقال القوم كلهم‏:‏ وفق الله أمير المؤمنين نحن إلى ذلك أسرع فدخل فوقف ثم رجع إليهم فقال‏:‏ هلم للبيعة فبايع القوم كلهم ثم دخل وخرج باكياُ مشقوق الجيب لاطمًا على رأسه فقال بعض من حضر‏:‏ ويلي عليك يا ابن الشاة - يريد الربيع - كانت أمه ماتت وهو رضيع فأرضع على شاة ‏.‏

وحفر للمنصور مائة قبر لئلا يعرف موضع قبره ودفن في غيرها للخوف عليه وبويع للمهدي بنكة صبيحة الليلة التي توفي فيها المنصور ‏.‏

قال أبو بكر الصولي‏:‏ وكان الربيع بن أنس وزير المنصور فلما توفي أخذ البيعة للمهدي فشكر له المهدي ذلك إلا أنه لم يوله الوزارة لغلبة أبي عبيدة معاوية بن عبد الله عليه فولى أبا عبيدة الوزارة والربيع الحجبة ثم وزر له يعقوب بن داود ثم الفيض بن أبي صالح ‏.‏

وبعثوا منارة فوصل يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة فكتم الخبر يومين ثم خطب المهدي يوم الخميس ونعي إليهم المنصور وقال‏:‏ إن أمير المؤمنين عبد الله دعي فأجاب واغرورقت عيناه فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عند فراق الأحبة ولقد فارقت عظيمًا وقلدت جسيمًا وعند الله أحتسب أمير المؤمنين وبه عز وجل أستعين على خلافة المسلمين ثم بايعه الناس ‏.‏

وحكى أبو بكر الصولي أنه لما جلس المهدي للتعزية والتهنئة دخل عليه أبو دلامة فأنشده‏:‏ عينان واحدة ترى مسرورة بإمامها جذلى وأخرى تذرف تبكي وتضحك مرة ويسوءها ما أنكرت ويسرها ما تعرف فيسوءها موت الخليفة محرمًا ويسرها أن قام هذا الأرأف فكان أول من وصله ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي وكان المنصور أوصى بذلك وكان هو العامل على مكة والطائف وعلى المدينة عبد الصمد بن علي وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبي وقيل‏:‏ كان العامل عليها إسماعيل بن أبي إسماعيل الثقفي وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخعي وضمت إليه بغداد ‏.‏

وقيل‏:‏ كان القاضي على بغداد يوم مات المنصور عبد الله بن محمد بن صفوان الجمحي وكان على خراج الكوفة ثابت بن موسى وعلى خراسان حميد ين قحطبة وكان على ديوان الخراج بالبصرة وأرضها عمارة بن حمزة وعلى قضائها والصلاة عبد الله بن الحسن العنبري وعلى أحداثها سعيد بن دعلج وعلى الشرط ببغداد عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار وقيل‏:‏ موسى بن كعب، وفيها‏:‏ أصاب الناس وباء شديد وفيها‏:‏ هلك طاغية الروم ‏.‏

 ذكر طرف من أخبار المهدي وسيرته

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا عبد الله الظاهري قال‏:‏ أخبرنا علي بن عبيد الله بن المغيرة الجوهري قال‏:‏ حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال‏:‏ حدثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ أخبرني يونس بن عبد الله الخياط قال‏:‏ دخل ابن الخياط المكي على المهدي وقد مدحه فأمر له بخمسين ألف درهم فلما قبضها فرقها على الناس وقال‏:‏ أخذت بكفي كفه أبتغي الغنا ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذو الغنى أفدت وأعداني فبددت ما عندي فنمي إلى المهدي فأعطاه بكل درهم دينارًا ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا مد بن علي قال‏:‏ أخبرنا سلامة بن الحسين المقرئ قال‏:‏ أخبرنا علي بن عمر الخياط قال‏:‏ حدثنا الحسين بن إسماعيل قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال‏:‏ حدثنا هارون بن ميمون الخزاعي قال‏:‏ حدثنا أبو حزمة الباذغيسي قال‏:‏ قال المهدي‏:‏ ما توسل أحد بوسيلة ولا تذرع بذريعة هي أقرب إلي وأحب من أن يذكرني يدًا سلفت مني إليه أتبعها أختها وأحسن ربها لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن محمد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن العباس قال‏:‏ أخبرنا محمد بن خلف المرزبان قال‏:‏ أخبرني محمد بن الفضل قال‏:‏ أخبرني بعض أهل الأدب عن حسن الوصيف قال‏:‏ قعد المهدي قعودًا عامًا للناس فدخل رجل في يده نعل في منديل فقال يا أمير المؤمنين هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهديتها لك فقال‏:‏ هاتها فدفعها إليه فقلب باطنها ووضعها على عينيه وأمر للرجل بعشرة آلاف درهمٍ فلما أخذها وانصرف قال لجلسائه‏:‏ أترون أني لم أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها فضلًا على أن يكون لبسها ولو كذبناه لقال لناس‏:‏ أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول صلى الله عليه وسلم فردها علي وكان منن يصدقه أكثر ممن يدفع خبره إذ كان من شأن العامة الميل إلى أشكالها والنصرة للضعيف على القوي أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرني الحسن بن محمد الخلال قال‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد بن عمران قال‏:‏ حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال‏:‏ حدثنا الحسن بن علي العنبري قال‏:‏ حدثنا العباس بن عبد الله بن جعفر بن سليمان بن علي قال‏:‏ حدثتني جدتي فائقة بنت عبد الله قالت‏:‏ بينا أنا يومًا عند المهدي وكان قد خرج متنزهًا إلى الأنبار إذ دخل عليه الربيع ومعه قطعة جراب فيه كتاب برماد وخاتم من طين قد عجن بالرماد وهو مطبوع بخاتم الخلافة فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ما رأيت أعجب من هذه الرقعة جاءني بها رجل أعرابي وهو ينادي‏:‏ هذا كتاب أمير المؤمنين المهدي دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع فقد أمرني أن أدفعها إليه أعني هذه الرقعة ‏.‏

فأخذها المهدي وضحك وقال‏:‏ صدق هذا خطي وهذا خاتمي أفلا أخبركم بالقصة قلنا‏:‏ يا أمير المؤمنين رأيك أعلى عينًا في ذلك ‏.‏

قال‏:‏ خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء فلما أصبحت هاج علينا ضباب شديد وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحدًا وأصابني من البرد والجوع والعطش ما الله به أعلم وتحيرت عند ذلك فذكرت دعاء سمعته من أبي عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ من قال إذا أصبح وإذا أمسى‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله اعتصمت بالله وتوكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وفي وكفي وشفي من الحرق والغرق والهدم وميتة السوء ‏"‏ ‏.‏

فلما قلتها دفع لي ضوء نار فقصدتها فإذا بهذا الأعرابي في خيمة له وإذا هو يوقد نارًا بين يديه فقلت‏:‏ أيها الأعرابي هل من ضيافة قال‏:‏ انزل فنزلت فقال لزوجته‏:‏ هاتي ذاك الشعير فأتته به فقال‏:‏ اطحنيه فابتدأت بطحنه فقلت له‏:‏ اسقني ماء فجاء بسقاء فيه مذقة من لبن أكثره ماء فشربت منها شربة ما شربت قط شيئًا إلا وهو أطيب منه قال‏:‏ فأعطاني حلسًا له فوضعت رأسي عليه فنمت نومة ما نمت نومة أطيب منها وألذ ثم انتبهت فإذا هو قد وثب إلى شوية فذبحها وإذا امرأته تقول له‏:‏ ويحك قتلت نفسك وصبيتك إنما كان معاشكم من هذه الشاة فذبحتها فبأي شيء نعيش قال‏:‏ فقلت‏:‏ لا عليك هات الشاة فشققت جوفها واستخرجت كبدها بسكين في خفي فشرحتها ثم طرحتها على النار فأكلتها ثم قلت‏:‏ هل عندك شيء أكتب لك فيه فجاءني بهذه القطعة خذت عودًا من الرماد الذي كان بين يديه فكتبت له هذا الكتاب وختمته بهذا الخاتم وأمرته أن يجيء ويسأل عن الربيع فيدفعها إليه فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم فقال‏:‏ لا والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم ولكن جرت بخمسمائة الف درهم لا أنقض والله منها درهمًا واحدًا ولو لم يكن في بيت المال غيرها احملوها معه ‏.‏

فما كان إلا قليلًا حتى تكثرت إبله وشاؤه وصار منزلًا من المنازل تنزله الناس من أراد الحج من الأنبار إلى مكة وسمي مضيف أمير المؤمنين المهدي ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرني أبو القاسم الأزهري قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال‏:‏ وخرج المهدي يومًا إلى الصيد فانقطع عن خاصته فدفع إلى أعرابي وهو يريد البول فقال‏:‏ يا أعرابي احفظ علي فرسي حتى أبول فسعى نحوه وأخذ بركابه فنزل المهدي ودفع الفرس إليه فأقبل الأعرابي على السرج يقتلع حليته ففطن المهدي وقد أخذ حاجته فقدم إليه فرسه وجاءت الخيل نحوه فأحاطت به ونذر الأعرابي فولى هاربًا فأمر برده وخاف أن يكون فطن به فقال‏:‏ خذوا ما أخذنا منكم ودعونا نذهب إلى حرق الله وناره فقال المهدي‏:‏ لا بأس عليك فقال‏:‏ ما تشاء جعلني الله فداء فرسك فضحك من حضره وقالوا‏:‏ ويلك هل رأيت إنسانًا قد قال هذا قال‏:‏ فما أقول قالوا‏:‏ قل جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين قال‏:‏ أو هذا أمير المؤمنين قالوا‏:‏ نعم قال‏:‏ والله لئن أرضاه هذا مني فما يرضيني ذاك فيه ولكن جعل الله جبريل وميكائيل فداءه وجعلني فداءهما فضحك المهدي واستطابه وأمر له بعشرة آلاف درهم ‏.‏

قال ابن عرفة‏:‏ وبلغني أن المهدي لما فرغ من بناء عيسى باذ ركب في جماعة يسيرة لينظر فدخله مفاجأة وأخرج من كان هناك من الناس وبقي رجلان خفيا عن أبصار أعوان فرأى المهدي أحدهما وهو دهش ما يعقل فقال‏:‏ من أنت فقال‏:‏ أنا أنا أنا قال‏:‏ ويحك من أنت قال‏:‏ لا أدري قال‏:‏ ألك حاجة قال‏:‏ لا لا قال‏:‏ أخرجوه أخرج الله نفسه فدفع في قفاه ‏.‏

فلما خرج قال لغلام له اتبعه من حيث لا يعلم فسل عن أمره ومهنته فإني أخاله حائكًا فخرج الغلام يقفوه ‏.‏

ثم رأى الآخر فستنطقه فأجابه بقلب جريء ولسان بسيط قال‏:‏ فما جاء بك إلى ها هنا قال‏:‏ جئت لأنظر إلى هذا البناء الحسن فأتمتع بالنظر إليه وأكثر الدعاء لأمير المؤمنين بطول المدة وتمام النعمة ونماء العز والسلامة قال‏:‏ أفلك حاجة قال‏:‏ نعم خطبت ابنة عمي فردني أبوها وقال‏:‏ لا مال لك والناس يرغبون في الأموال وأنا بها مشغوف ولها وامق ‏.‏

قال‏:‏ قد أمرت لك بخمسين ألف درهم قال‏:‏ جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين قد وصلت فأجزلت الصلة ومننت فأعظمت المنة فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه وآخر أيامك خيرًا من أولها وأمتعك بنا أنعم به عليك وأمتع رعيتك بك فأمر أن تعجل صلته ووجه بعض خاصته وقال‏:‏ سل عن مهنته فإني أخاله كاتبًا فرجع الرسولان معًا فقال الأول‏:‏ وجدت الأول حائكًا وقال الآخر‏:‏ وجدت الرجل كاتبًا فقال المهدي‏:‏ لم تخف علي مخاطبة الكاتب والحائك ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرنا محمد بن علي بن مخلد الوراق قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران قال‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال‏:‏ قال عمرو بن أبي عمرو الأعجمي‏:‏ اعترضت امرأة للمهدي فقالت‏:‏ يا عصبة رسول الله صلى الله عليه وسلم انظر في حاجتي فقال المهدي‏:‏ ما سمعتها من أحد قبلها اقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ حدثنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال‏:‏ حدثنا سهل بن أحمد الديباجي قال‏:‏ حدثنا أبو خليفة قال‏:‏ حدثنا رفيع بن سلمة عن أبي عبيدة قال‏:‏ كان المهدي يصلي بنا الصلوات في المسجد الجامع لبصرة لما قدمها فأقيمت الصلاة يومًا فقال أعرابي‏:‏ يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبت إلى الله في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء ينتظروني فقال‏:‏ انتظروه رحمكم الله ودخل المحراب ووقف إلى أن قيل له‏:‏ قد جاء الرجل فكبر فتعجب الناس من سماحة أخلاقه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي قال‏:‏ حدثنا محمد بن عمرو بن البختري قال‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال‏:‏ حدثني عبيد الله بن فرقد مولى المهدي قال‏:‏ هاجت ريح زمن المهدي فدخل المهدي بيتًا في جوف بيت وألزق خده بالتراب ثم قال‏:‏ اللهم إني بريء من هذه الجناية كل هذا الخلق غيري فإن كنت المطلوب من بين خلقك فها أنا ذا بين يديك اللهم لا تشمت بي أهل الأديان فلم يزل مكانه حتى انجلت الريح ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا القاضي أبو الطيب الطبري قال‏:‏ أخبرنا المعافى بن زكريا قال‏:‏ حدثنا أحمد بن الحسن بن منصور قال‏:‏ حدثني أبو قلابة قال‏:‏ حدثني نصر بن قديد قال‏:‏ حدثني أبو عمرو الشعافي قال‏:‏ صلينا مع المهدي المغرب ومعنا العوفي وكان من مظالم المهدي فلما انصرف المهدي من المغرب جاء العوفي حتى قعد في قبلته فقام يتنفل فجذب ثوبه فقال‏:‏ ما شأنك قال‏:‏ شيء أولى بك من النافلة قال‏:‏ وما ذاك قال‏:‏ سلام مولاك قال وهو قائم على رأسه‏:‏ أوطأ قومًا الخيل وغصبهم على ضيعتهم وقد صح ذلك عندي تأمر بردها وتبعث من يخرجهم فقال المهدي‏:‏ حتى نصبح إن شاء الله فقال العوفي‏:‏ لا إلا الساعة فقال المهدي‏:‏ يا فلان القائد اذهب الساعة إلى موضع كذا وكذا فأخرج من فيها وسلم الضيعة إلى فلان، قال‏:‏ فما أصبحوا حتى ردت الضيعة على صاحبها ‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال‏:‏ أخبرنا محمد بن أحمد الفقيه قال‏:‏ أخبرنا محمد بن الحسين الجارزي قال‏:‏ أخبرنا المعافى بن زكريا قال‏:‏ حدثني محمد بن القاسم الأنباري قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن أبي العنبس عن إسحاق بن يحيى بن معاذ قال‏:‏ حدثني سوار قال‏:‏ انصرفت يومًا من دار المهدي فلما دخلت منزلي دعوت بالغداء فجاشت نفسي فأمرت به فرد ثم دعوت جارية لي ألاعبها فلم تطب نفسي بذلك فدخلت القائلة فلم يأخذني النوم فنهضت وأمرت ببغلة لي فأسرحت فركبتها فلما خرجت استقبلني وكيل لي ومعه مال فقلت‏:‏ ما هذا فقال‏:‏ ألفا درهم جبيتها من مستغلك الجديد قلت أمسكها معك واتبعني قال‏:‏ وخليت رأس البغلة حتى عبرت الجسر ثم مضيت في شارع دار الرقيق حتى انتهيت إلى الصحراء ثم رجعت إلى باب الأنبار وطوفت فلما صرت في شارع دار الأنبار انتهيت إلى باب دار نظيف وعليه شجرة وعلى الباب خادم فوقفت وقد عطشت فقلت للخادم‏:‏ عندك ماء تسقيني فقال‏:‏ نعم ‏.‏ وقام فأخرج قلة نظيفة طيبة الرائحة عليها منديل فناولني فشربت وحضر وقت العصر فدخلت مسجدًا على الباب فصليت فلما قضيت صلاتي إذا أنا بأعمى يتلمس فقلت‏:‏ ما تريد يا هذا قال‏:‏ إياك أريد قلت‏:‏ وما حاجتك فجاء حتى قعد فقال‏:‏ شممت منك ريح الطيب فظننت أنك من أهل النعيم فأردت أن ألقي عليك شيئًا فقلت‏:‏ قل قال‏:‏ اترى هذا القصر قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ هذا قصر كان لأبي فباعه وخرج إلى خراسان وخرجت معه فزالت عنا النعم التي كنا فيها فقدمت فأتيت صاحب الدار لأسأله شيئًا يصلني به وأصير إلى سوار فإن كان صديقًا لأبي قلت‏:‏ ومن أبوك قال‏:‏ فلان بن فلان فإذا هو أصدق الناس إلي فقلت له‏:‏ يا هذا فإن الله قد أتاك بسوار منعه الطعام والنوم حتى جاء به فأقعده بين يديك ثم دعوت الوكيل فأخذت الدراهم منه فدفعتها إليه وقلت له‏:‏ إذا كان الغد فصر إلى المنزل ‏.‏ ثم مضيت فقلت‏:‏ ما أحدث أمير المؤمنين بشيء أطرف من هذا ‏.‏ فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت وحدثته لحديث فأمر لي بألفي دينار فنهضت فقال‏:‏ اجلس عليك دين قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ كم قلت‏:‏ خمسون ألف دينار فأمسك وجعل يحدثني ساعة ثم قال‏:‏ امض إلى منزلك فصرت إلى منزلي فإذا خادم معه خمسون ألف دينار قال‏:‏ يقول لك أمير المؤمنين اقض بها دينك فقبضتها فلما كان من الغد فأبطأ على المكفوف وأتاني رسول المهدي يدعوني فجئته فقال‏:‏ فكرت في أمرك فقلت‏:‏ يقضي دينه ويحتاج إلى الحيلة والقرض وقد أمرت لك بخمسين ألف دينار فقبضتها وانصرفت ‏.‏ فأتاني المكفوف فدفعت إليه الألفي دينار وقلت‏:‏ قد رزق الله كلًا بكرمه خيرًا كثيرًا وأعطيته من مالي ألفي دينار ‏.‏ أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع فيما أذن له أن نرويه عنه قال‏:‏ أخبرنا علي بن محمد بن السري قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف قال‏:‏ أخبرنا إسحاق بن محمد بن إسحاق قال‏:‏ أنبئت أن يعقوب بن المهدي سأل الفضل بن الربيع عن أرحاء البطريق فقال‏:‏ من هذا البطريق الذي نسبت إليه هذه الأرحاء فقال الفضل‏:‏ إن أباك رضي الله عنه لما أفضت إليه الخلافة وقدم عليه وافد من الروم فاستأذنه ثم كلمه بترجمان يعبر عنه قال الرومي‏:‏ إني لم أقدم على أمير المؤمنين لمال ولا عرض وإنما قدمت شوقًا إليه وإلى النظر إلى وجهه لأنا نجد في كتبنا أن الثالث من أهل نبي هذه الأمة يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا فقال المهدي‏:‏ قد سرني ما قلت ولك عندنا كل ما تحب ثم أمر الربيع بإنزاله وإكرامه فأقام مدة ثم خرج يتنزه فمر بموضع الأرحاء فنظر إليه فقال للربيع‏:‏ أقرضني خمسمائة ألف درهم ابني بها مستغلًا يؤدي إليه في السنة خمسمائة ألف درهم قال‏:‏ أفعل ثم أخبر المهدي بنا ذكر فقال‏:‏ أعطه خمسمائة ألف دينار وخمسمائة ألف درهم وما أغلت فادفعه إليه فإذا خرج إلى بلاده فابعث به إليه في كل سنة قال‏:‏ عل فبنى الأرحاء ثم خرج إلى بلاده فكانوا يبعثون بغلتها إليه حتى مات الرومي فأمر المهدي أن يضم إلى مستغله ‏.‏ قال‏:‏ واسم البطريق طاراث بن الليث بن العيزار بن طريف وكان أبوه ملكًا من ملوك الروم أيام معاوية ‏.‏ أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرني الأزهري‏:‏ قال‏:‏ أخبرنا أحمد إبراهيم قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي قال‏:‏ حدثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ حدثني خالد بن وضاح قال‏:‏ حدثني عبد الأعلى بن محمد بن صفوان الجمحي قال‏:‏ حملت دينًا بعسكر المهدي فركب المهدي يومًا بين أبي عبيد الله وعمر بن بزيغ وأنا وراءه في موكبه على برذون قطوف ‏.‏ فقال‏:‏ ما أنسب بيت قالته العرب قال أبو عبيد الله‏:‏ قول امرئ القيس إذ يقول‏:‏ قال‏:‏ هذا أعرابي قح فقال عمر بن بزيغ قول كثير بن أبي جمعة‏:‏ أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل قال‏:‏ وما هذا بشيء وما له يريد أن ينسى ذكرها حتى تمثل له فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين عندي حاجتك جعلني الله فداك قال‏:‏ الحق قلت‏:‏ لا لحاق لي ليس ذلك في دابتي قال‏:‏ احملوه على دابة فقلت‏:‏ هذا أول الفتح فحملت عليها فلحقته فقال‏:‏ ما عندك قلت‏:‏ قول الأحوص‏:‏ إذا قلت إني مشتفٍ بلقائها فحم التلاقي بيننا زادنا سقما قال‏:‏ أحسن والله اقضوا عنه دينه ‏.‏ فقضى عني ديني ‏.‏ وكان المهدي إذا جلس للمظالم قال‏:‏ أدخلوا علي القضاة فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم ‏.‏ وأتي المهدي برجل قد تنبأ فلما رأه قال‏:‏ أنت نبي قال‏:‏ نعم قال‏:‏ وإلى من بعثت قال‏:‏ أتركتموني أذهب إلى من بعثت إليه وجهن بالغداة فأخذتموني بالعشي ضعتموني في الحبس فضحك المهدي منه وخلى سبيله ‏.‏ قال الربيع‏:‏ رأيت المهدي في ليلة يصلي فقرأ‏:‏ ‏{‏فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم‏}‏ ‏.‏ قال‏:‏ فلما فرغ من صلاته التفت إلي فقال‏:‏ يا ربيع قلت لبيك يا أمير المؤمنين قال موسى‏:‏ وقام إلى صلاته فقلت من موسى ابنه موسى أم موسى بن جعفر وكان محبوسًا عندي فجعلت أفكر فقلت‏:‏ ما هو إلا موسى بن جعفر فأحضرته فقال‏:‏ يا موسى إني قرأت هذه الآية‏:‏ ‏{‏فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم‏}‏ فخشيت أن أكون قد قطعت رحمك فوثق لي أنك لا تخرج فقال‏:‏ نعم فوثق له فخلاه ‏.‏ ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر شيبان الرعي حج معه سفيان الثوري فلقيا سبعًا فعرك شيبان أذنه وقال‏:‏ لولا مكان الشهرة ما وضعت زادي إلا على ظهره ‏.‏ أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد بن سليمان الهروي قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن يعقوب قال‏:‏ حدثنا أحمد بن نصر عن محمد بن يزيد عن محمد بن حمزة الربضي قال‏:‏ كان شيبان الراعي إذا أجنب وليس عنده ماء دعا ربه فجاءت سحابة فأظلته فاغتسل منها وكان يذهب إلى الجمعة فيخط على غنمه فيجيء عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وهو أبو جعفر المنصور روى علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه قال‏:‏ مكان المنصور لا يستمرئ طعامه ويشكو إلى المتطببين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات وكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يقل من الطعام ويخبرونه أن الجوارشنات تهضم ولكنها تحدث من العلل ما هو أشد عليه ‏.‏ فقال ير وكان من قطيبي العراق لا يموت أو جعفر إلا بالبطن فقلت له‏:‏ وما علمك فقال‏:‏ هو يأخذ الجوارشن فيهضم طعامه ويحلق من رأس معدته كل يوم شيئًا وشحم مصارينه فيموت ببطنه وقال‏:‏ أضرب لذلك مثلًا أرأيت لو أنك وضعت جرة في موضع وضعت تحتها آجرة جديدة إنما كان قطرها يثقب الآجرة على طول الدهر فمات بالبطن ‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كان بدو وجعه الذي مات فيه من حر أصابه من ركوبه في الهواجر وكان رجلًا محرورًا ‏.‏ أخبرنا محمد بن أبي منصور قال‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر المنكدري قال‏:‏ أخبرنا ابن الصلت قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد المقدمي قال‏:‏ حدثنا أبو محمد التميمي قال‏:‏ حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال‏:‏ حدثنا أبو سهل الحاسب قال‏:‏ حدثني طيفور قال‏:‏ كان سبب إحرام المنصور من مدينة السلام أنه نام ليلة فانتبه فزعًا ثم عاود النوم فانتبه فزعًا ثم راجع النوم فانتبه فزعًا فقال‏:‏ يا ربيع قال‏:‏ لبيك يا أمير المؤمنين قال‏:‏ لقد رأيت في منامي عجبًا قال‏:‏ ما رأيت جعلني الله فداك قال‏:‏ رأيت كأن آتيًا أتاني فهيم بشيء لم أفهمه فانتبهت فزعًا ثم عاودت النوم فعاودني يقول ذلك الشيء ثم عاودني بقوله حتى فهمته وحفظته وهو‏:‏ كأني بهذا القصر قد باد أهله وعرى منه أهله ومنازله وصار رئيس القوم من بعد بهجة إلى جدث يبنى عليه جنادله وما أحسبني يا ربيع إلا وقد حانت وفاتي وحضر أجلي ومالي غير ربي قم فاجعل لي غسلًا ففعلت فقام فاغتسل وصلى ركعتين وقال‏:‏ أنا عازم على الحج ‏.‏ فهيأنا آلة الحج فخرج وخرجنا حتى إذا انتهى إلى الكوفة نزل النجف فأقام أيامًا ثم أمر بالرحيل فتقدمت نوابه وجنده وبقيت أنا وهو في القصر وشاكريته بالباب فقال لي‏:‏ يا ربيع جئني بفحمة من المطبخ وقال لي‏:‏ أخرج فكن مع دابتي ى أن أخرج فلما خرج وركب رجعت إلى المكان كأني أطلب شيئًا وإذا قد كتب على الحائط بالفحمة شعرًا‏:‏ المرء يهوى أن يعيش وطول عيش قد يضره كم بي إن هلكت وقائل لله دره أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا الشريف أبو بكر المنكدري قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسن بن الصلت قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثنا أبو عبد الله المطبخي قال‏:‏ حدثنا أبو إسحاق الجيلي قال‏:‏ لما حج المنصور في آخر عمره دخل على بعض المنازل بطريق مكة فرأى كتابةً على الحائط فقرأها فإذا هي‏:‏ أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت سنوك وأمر الله لا بد واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم لك اليوم عن حر المنية دافع أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال‏:‏ أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق قال‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد البراء قال‏:‏ حدثني أحمد بن هشام قال‏:‏ قال الربيع‏:‏ بينا أنا مع أبي جعفر المنصور في طريق مكة تبرز ونزل يقضي حاجته فإذا الريح قد ألقت إليه رقعة فيها مكتوب‏:‏ أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت سنوك وأمر الله لا بد واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم لك اليوم عن حر المنية دافع قال‏:‏ فناداني‏:‏ يا ربيع تنعي إلي نفسي في رقعة قلت‏:‏ لا والله ما أعرف رقعة ولا أدري ما هي قال‏:‏ فما رجع من وجهه حتى مات ‏.‏ قال ابن البراء‏:‏ ومات ببئر ميمون وهو محرم فدفن مكشوف الوجه لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة وكان عمره ثلاثًا وستين سنة وخلافته إحدى شرين سنة وأحد عشر شهرًا وثمانية أيام ‏.‏ قال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى‏:‏ وقد اختلفوا في مقدار عمره على خمسة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ ثلاث وستون سنة كما ذكرنا والثاني‏:‏ ثلاث وستون وشهور الثالث‏:‏ أربع وستون والرابع‏:‏ خمس وستون ‏.‏ والخامس‏:‏ ثمان وستون ‏.‏ واتفقوا أن مدة خلافته اثنان وعشرون سنة تنقص أيامًا ‏.‏ وفي ذلك المقدار الناقص خمسة أقوال‏:‏ أحدها‏:‏ اثنان وعشرون يومًا ‏.‏ والثاني‏:‏ أربعة وعشرون يومًا والثالث‏:‏ ثلاثة أيام والرابع‏:‏ سبعة أيام والخامس‏:‏ يومان ‏.‏ قالوا‏:‏ ودفن في المقبرة التي عند بلبة المدينتين التي تسمى كدا وتسمى المعلاة لأنها بأعلى مكة ‏.‏ عبد الله بن عياش بن عبد الله أبو الجراح الهمذاني الكوفي ويعرف بالمنتوف ‏.‏ أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا الخطيب قال‏:‏ حدث ابن عياش عن الشعبي وروى عنه الهيثم بن عدي وكان رواية للأخبار والآداب ‏.‏ وكان من صحابة أبي جعفر المنصور ونزل بغداد في دور الصحابة ناحية شط الصراة قال‏:‏ ويقال‏:‏ إن دجلة مدت وأحاط الماء بداره فركب المنصور ينظر إلى الماء وابن عياش معه فرأى داره وسط الماء فقال‏:‏ لمن هذه الدار قال‏:‏ لوليك يا أمير المؤمنين فقال المنصور‏:‏ ‏{‏وحال بينها الموج فكان من المغرقين‏}‏ فقال له ابن عياش وكان جريئًا عليه‏:‏ ما أظن أمير المؤمنين يحفظ من القرآن آية غيرها فضحك منه وأمر له بصلة ‏.‏ أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ حدثنا محمد بن العباس قال‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي قال‏:‏ حدثنا ميمون بن هارون قال‏:‏ حدثني الوضاح بن حبيب بن يزيد التميمي عن أبيه قال‏:‏ كنت يومًا عند المنصور وعبد الله بن عياش المنتوف وعبد الله بن الربيع الحارثي وإسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري وكان المنصور ولى بن قتيبة البصرة وولى مولى له كور البصرة والأبلة فورد الكتاب من مولى أبي جعفر يخبر أن سلمًا ضربه بالسياط فاستشاط أبو جعفر وضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال‏:‏ علي يجترئ سلم والله لأجعلنه نكالًا وعظة وجعل يقرأ كتبًا بين يديه قال‏:‏ فرفع ابن عياش رأسه وكان من أجرئنا عليه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين لم يضرب سلم مولاك بقوته ولا قوة ابنه ولكنك قلدته سيفك وأصعدته منبرك وأراد مولاك أن يطأطئ من سلم ما رفعت ويفسد ما صنعت فلم يحتمل له ذلك يا أمير المؤمنين إن غضب العربي في رأسه فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسانه أو يده وإن غضب النبطي في استه فإذا خري ذهب غضبه فضحك أبو جعفر وقال‏:‏ قبحك الله يا منتوف ‏.‏ وكف عن سلم ‏.‏ توفي المنتوف في هذه السنة ‏.‏ الأسود المكي أخبرنا محمد بن ناصر قال‏:‏ أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال‏:‏ أخبرنا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب قال‏:‏ أخبرني أبي قال‏:‏ حدثنا أحمد بن مروان بن المالكي قال‏:‏ حدثنا سليمان بن الحسن قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ قال ابن المبارك‏:‏ قدمت مكة فإذا الناس قد قحطوا من المطر وهم يستسقون في المسجد الحرام وكنت في الناس مما يلي باب بني شيبة إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد ائترز بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه فصار في موضع خفي إلى جانبي فسمعته يقول‏:‏ إلهي أخلقت الوجوه كثرة الذنوب ومساوئ الأعمال وقد منعتنا غيث السماء لتؤدب الخليقة بذلك فأسألك يا حليمًا ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل اسقهم الساعة الساعة ‏.‏ قال ابن المبارك‏:‏ فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى استوت بالغمام وأقبل المطر من كل مكان وجلس مكانه يسبح وأخذت أبكي فلما قام تبعته حتى عرفت موضعه فجئت إلى فضيل بن عياض ال لي‏:‏ مالي أراك كئيبًا فقلت‏:‏ سبقنا إلى الله غيرنا فتولاه دوننا قال‏:‏ وما ذاك فقصصت عليه القصة فصاح وسقط وقال‏:‏ ويحك يا ابن المبارك خذني إليه قلت‏:‏ قد ضاق الوقت وسأبحث عن شأنه ‏.‏ فلما كان من الغد صليت الغداة وخرجت إلى الموضع فإذا شيخ على الباب قد بسط له وهو جالس فلما رآني عرفني وقال‏:‏ مرحبًا بك يا عبد الرحمن حاجتك ‏.‏ فقلت له‏:‏ احتجت إلى غلام أسود ‏.‏ فقال‏:‏ نعم عندي عدة فاختر أيهم شئت فصاح يا غلام فخرج غلام جلد فقال‏:‏ هذا محمود العاقبة أرضاه لك فقلت‏:‏ ليس هذا حاجتي فما زال يخرج إلي واحدًا واحدًا حتى أخرج إلي الغلام فلما أبصرت به بدرت عيناي فقال‏:‏ هذا هو قلت‏:‏ نعم فقال ليس إلى بيعه سبيل قلت‏:‏ ولم قال‏:‏ قد تبركت لموضعه في هذه الدار وذاك أنه لا يزرأني شيئًا قلت‏:‏ ومن أين طعامه قال‏:‏ يكسب من قبل الشريط نصف دانق أو أقل أو أكثر فهو قوته فإن باعه في يومه وإلا طوى ذلك اليوم ‏.‏ وأخبرني الغلمان عنه أنه لا ينام هذا الليل الطويل ولا يختلط بأحد منهم مشغول بنفسه وقد احبه قلبي فقلت له‏:‏ انصرف إلى سفيان الثوري وإلى الفضيل بن عياض بغير قضاء حاجة فقال‏:‏ إن ممشاك عندي كبير خذه بنا شئت ‏.‏ قال‏:‏ فاشتريته وأخذت نحو دار فضيل فمشيت ساعة فقال لي‏:‏ يا مولاي قلت‏:‏ لبيك قال‏:‏ لا تقل لي لبيك فإن العبد أولى أن يلبي المولى قلت حاجتك يا حبيبي ‏.‏ قال‏:‏ أنا ضعيف البدن لا أطيق الخدمة وقد كان لك في غيري سعة قد أخرج إليك من هو أجلد مني فقلت‏:‏ لا يراني الله وأنا أستخدمك ولكني أشتري لك منزلًا وأزوجك وأخدمك أنا بنفسي قال‏:‏ فبكى فقلت‏:‏ ما يبكيك قال‏:‏ أنت لم تفعل في هذا إلا وقد رأيت بعض متصلاتي بالله تعالى وإلا فلم اخترتني من بين الغلمان فقلت له‏:‏ ليس بك حاجة إلى هذا فقال لي‏:‏ سألتك بالله ا أخبرتني فقلت‏:‏ بإجابة دعوتك فقال لي‏:‏ إني أحسبك إن شاء الله رجلًا صالحًا إن لله عز وجل خيرة من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده ولا يظهر عليهم إلا من ارتضى ثم قال لي‏:‏ ترى أن تقف علي قليلًا فإنه بقيت على ركعات من البارحة ‏.‏ قلت‏:‏ هذا منزل فضيل قريب ‏.‏ قال‏:‏ لا ‏.‏ ها هنا أحب إلي أمر الله عز وجل لا يؤخر فدخل من باب الباعة إلى المسجد فما زال يصلي حتى إذا أتى على ما أراد التفت إلي فقال‏:‏ يا أبا عبد الرحمن هل من حاجة قلت‏:‏ ولم قال‏:‏ لأني أريد الانصراف قلت‏:‏ إلى أين قال‏:‏ إلى الآخرة ‏.‏ قلت‏:‏ لا تفعل دعني أسر بك ‏.‏ فقال لي‏:‏ كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبينه تعالى فأما إذا اطلعت عليها أنت فسيطلع عليها غيرك فلا حاجة لي في ذلك ثم خر لوجهه فجعل يقول‏:‏ إلهي إقبضني إليك السعة الساعة ‏.‏ فدنوت منه فإذا هو قد مات ‏.‏ فوالله ما ذكرته قط إلا طال حزني وصغرت الدنيا في عيني ‏.‏

 ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ غزوة العباس بن محمد الصائفة حتى بلغ أنقرة وانصرفوا سالمين ‏.‏ وفيها‏:‏ ولي حمزة بن مالك سجستان وولي جبرئيل بن يحيى سمرقند ‏.‏ وعزل عبد الصمد عن المدينة عن موجدة واستعمل مكانه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحي ‏.‏ وفيها‏:‏ بني المهدي مسجد الرصافة وبنى حائطها وحفر خندقها ‏.‏ أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا الأزهري قال‏:‏ أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال‏:‏ أخبرني أبو العباس المنصوري قال‏:‏ لما حصلت في يد المهدي الخزائن والأموال ودخائر المنصور أخذ في رد المظالم وأخرج ما في الزائن ففرقه وبر له وأقرباءه ومواليه وأخرج لأهل بيته أرزاقًا لكل واحد منهم في كل شهر خمسمائة درهم وأخرج لهم في الإقسام لكل واحد عشرة آلاف درهم ‏.‏ وزاد بعضهم‏:‏ وأمر ببناء مسجد الرصافة وحاط حائطها وخندق خندقها ‏.‏ أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عياش قال‏:‏ حدثنا عبيد الله بن أحمد المروزي قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حكي لنا أن الربيع قال‏:‏ مات المنصور وفي بيت المال شيء لم يجمعه خليقة قط مائة ألف ألف درهم وستون ألف ألف درهم فلما صارت الخلافة إلى المهدي قسم ذلك وأنفقه ‏.‏ قال‏:‏ الربيع‏:‏ ونظرنا في نفقة المنصور فإذا هو ينفق في كل سنة ألفي درهم ‏.‏ قال‏:‏ وفتح المنصور يومًا خزائن مروان بن محمد فأحصى ما فيها اثني عشر ألف عدل خزفًا ‏.‏ فأخرج منها ثوبًا وقال‏:‏ يا ربيع اقطع من هذا الثوب جبتين لي واحدة ولمحمد واحدة ‏.‏ قلت‏:‏ لا يجيء منه هذا ‏.‏ قال‏:‏ فاقطع لي منه جبة وقلنسوة وبخل بثوب آخر يخرجه للمهدي ‏.‏ فلما أفضت الخلافة إلى المهدي أمر بتلك الخزانة بعينها ففرقت على الموالي والغلمان والخدم ‏.‏ وفيها‏:‏ وجه المهدي عبد الملك بن شهاب المسمعي في البحر إلى بلاد الهند في خلق كثير فوصلوا إلى الهند في سنة ستين ‏.‏ وفيها‏:‏ أمر المهدي بإطلاق من كان في سجون المنصور إلا من كان قبله دم أو كان معروفًا بالسعي في الأرض بالفساد أو كان لأحد قبله مظلمة ‏.‏ و كان ممن أطلق يعقوب ابن داود مولى بني سليم وكان معه في الحبس الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فحوله المهدي إلى نصير الوصيف فحبس عنده ‏.‏ وكان سبب تحويله‏:‏ أنه كان هو ويعقوب في مكان واحد فأطلق يعقوب ولم يطلق الحسن فساء ظنه وخاف على نفسه فالتمس مخرجًا لنفسه س إلى بعض ثقاته فحفر له سربًا في موضع مسامتٍ للموضع الذي هو فيه محبوس وكان يعقوب بعد أن أطلق يطيف بابن علاثة وهو قاضي المهدي ويلزمه حتى أنس به وبلغ يعقوب ما عزم عليه الحسن من الهرب فأتى ابن علاثة فأخبره أن عنده نصيحة للمهدي فسأله إيصاله إلى أبي عبيد الله فدخل به إليه فسأله إيصاله إلى المهدي ليعلمه النصيحة فأدخله عليه فساره بذلك فأمر بتحويل الحسن إلى نصير فلم يزل حتى احتيل له فخرج فطلب فلم يقدر عليه فدعا المهدي يعقوب فأخبره خبر الحسن فقال‏:‏ لا علم لي بنكانه ولكن إن أعطيتني له أمانًا يثق به ضمنت أن آتيك به ‏.‏ فأعطاه ذلك فقال له‏:‏ فاله عن ذكره يا أمير المؤمنين ودع طلبه فإن ذلك يوحشه ودعني وإياه حتى أحتال له وقال يعقوب‏:‏ يا أمير المؤمنين قد بسطت عدلك وعممت بخيرك وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لم تدع النظر فيها بنثل ما فعلت في غيرها وإن جعلت لي سبيلًا إلى الدخول عليك وأذنت لي في رفعها إليك فعلت فأعطاه المهدي ذلك وكان يدخل على المهدي ليلًا ويرفع إليه النصائح الحسنة من أمر الثغور وبناء الحصون وفكاك الأسارى والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعففين فحظي بذلك عنده واتخذ أخًا في الله تعالى وأخرج بذلك توقيعًا أثبت في الدواوين ثم تغير عليه وأمر بحبسه ‏.‏ وفيها‏:‏ عزل المهدي إسماعيل بن أبي إسماعيل عن الكوفة وأحداثها وولاها إسحاق بن الصباح الكندي وقيل‏:‏ بل ولاها عيسى بن لقمان وقيل‏:‏ كان شريك على الصلاة والقضاء وعيسى على الأحداث ‏.‏ وعزل عن أحداث البصرة سعيد بن دعلج وعزل عن الصلاة والقضاء عبيد الله بن الحسين وولى مكانها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان وكتب إليه يأمره بإنصاف من تظلم سعيد بن دعلج ثم صرفت الأحداث في هذه السنة عن عبد الملك بن أيوب إلى عمارة بن حمزة فولاها عمارة رجلًا يقال له‏:‏ المسور بن عبد الله وأمر عبد الملك على الصلاة ‏.‏ وفيها‏:‏ عزل قثم بن العباس عن اليمامة عن سخط فوصل كتاب عزله إلى اليمامة وقد توفي فاستعمل مكانه بشر بن المنذر البجلي ‏.‏ وعزل يزيد بن منصور عن اليمن فاستعمل مكانه رجاء بن روح وعزل الهيثم بن سعيد عن الجزيرة واستعمل عليها الفضل بن صالح وعزل مطر مولى المنصور عن مصر واستعمل مكانه أبو ضمرة بن سليمان ‏.‏ وفيها‏:‏ أعتق المهدي الخيزران أم ولده وتزوجها ‏.‏ وفيها‏:‏ تزوج المهدي أيضًا أم عبيد الله بنت صالح بن علي ‏.‏ وفيها‏:‏ وقع حريق في ذي الحجة في السفن ببغداد عند قصر عيسى بن علي فاحترقت السفن واحترق ناس كثير ‏.‏ وفيها‏:‏ كانت حركة من تحرك من بني هاشم وشيعتهم من أهل خراسان في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد وتصيير ذلك لموسى بن المهدي فلما تبين ذلك المهدي كتب إلى عيسى وهو بالكوفة ليقدم عليه فأحس عيسى بذلك فامتنع من القدوم وكان المهدي قد سأل عيسى أن يخرج من الأمر فامتنع عليه فأراد الإضرار به فولى الكوفة روح بن حاتم وكان المهدي يحب أن يحمل روح على عيسى بعض الحمل فلم يجد إلى ذلك سبيلًا وكان عيسى قد خرج إلى ضيعته بالرحبة فلا يدخل إلى الكوفة إلا في رمضان فيشهد الجمع والعيد ثم يرجع إلى ضيعته ثم إن المهدي ألح على عيسى وقال له‏:‏ إن لم تحبني إلى أن تنخلع منها حتى أبايع لموسى وهارون استحللت منك بنعصيتك ما يستحل من العاصي وإن أجبتني عوضتك عنها ما هو أجدى عليك إنعامًا ‏.‏ فأجابه فبايع لهما وخلع عيسى وأمر له بعشرة آلاف ألف وقيل بعشرين ألف الف وقطائع كثيرة ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ بالناس يزيد بن المنصور خال المهدي عند قدومه من اليمن وكان المهدي قد أمره باانصراف إليه وولاه الموسم ‏.‏ وكان أمير المدينة في هذه السنة عبد الله بن صفوان الجمحي وكان على صلاة الكوفة وأحدثها إسحاق بن الصباح الكندي وعلى خراجها ثابت بن موسى وعلى قضائها شريك بن عبد الله وعلى صلاة البصرة عبد الملك بن أيوب وعلى أحداثها عمارة بن حمزة وخليفته على ذلك المسور بن عبد الله بن مسلم الباهلي وعلى قضائها عبيد الله بن الحسن وعلى كور دجلة وكور الأهواز وكور فارس عمارة بن حمزة وعلى السند البسطام بن عمرو وعلى اليمن رجاء اليمن رجاء بن روح وعلى اليمامة بشر بن المنذر وعلى خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد على الجزيرة الفضل بن صالح وعلى إفريقية يزيد بن حاتم ‏.‏ وعلى مصر أبو ضمرة محمد بن سليمان ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

عامل المهدي على خراسان ‏.‏ توفي في هذه السنة فولى المهدي مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد ‏.‏ سلمى بن عبد الله بن سلمى أبو بكر الهذلي البصري ‏.‏ حدث عن الحسن وابن سيرين وعكرمة والشعبي والزهري ‏.‏ روى عنه‏:‏ أبو معاوية وابن المبارك وشبابة وكان من العلماء بأخبار الناس وأيامهم ‏.‏ وقال السفاح‏:‏ ما رأيت أحدًا أغزر علمًا من أبي بكر الهذلي لم يعد علي حديثًا قط إلا أن المحدثين ضعفوه وتركوا حديثه ‏.‏ عبد العزيز بن أبي رواد مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة ‏.‏ روى عن جماعة من التابعين كعطاء وعكرمة ونافع وكان من العباد وذهب بصره فلم يعلم به أهله عشرين سنة ‏.‏ أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني عبد الله بن يحيى اليشكري قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر الشافعي قال‏:‏ أخبرنا جعفر محمد الأزهري قال‏:‏ حدثنا ابن العلائي قال‏:‏ حدثنا أبو سهل المدائني عن شعيب بن حرب قال‏:‏ جلست إلى عبد العزيز بن أبي رواد خمسمائة مجلس فما أحسب أن صاحب الشمال كتب شيئًا ‏.‏ أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد قال‏:‏ حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ قال‏:‏ حدثنا محمد بن حيان قال‏:‏ حدثنا أبو أحمد بن روح قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن الحبيق قال‏:‏ سمعت يوسف بن أسباط يقول‏:‏ مكث عبد العزيز بن أبي رواد أربعين سنة لم يرفع طرفه إلى السماء فبينا هو يطوف حول الكعبة إذ طعنه المنصور أبو جعفر بإصبعه في خاصرته فالتفت إليه فقال‏:‏ قد علمت أنها إصبع جبار توفي عبد العزيز في هذه السنة بنكة ‏.‏ معبد بن الخليل ‏.‏ عامل المهدي ‏.‏ توفي بالسند وهو عامله عليها فاستعمل مكانه روح بن حاتم ‏.‏ محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث القرشي المدني ‏.‏ ولد سنة ثمانين سمع عكرمة والزهري وخلقًا كثيرًا وكان فقيهًا ورعًا صالحًا ثقة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أقدمه المهدي بغداد فحدث بها ثم رجع يريد المدينة فمات بالكوفة في هذه السنة وهو ابن تسع وسبعين سنة ‏.‏ روى عنه‏:‏ الثوري ووكيع ويزيد بن هارون وابن المبارك وغيرهم ‏.‏ أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا البرقاني قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن حيوية قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري قال‏:‏ حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ كان ابن أبي ذئب يشبه سعيد بن المسيب ‏.‏ قيل لأحمد‏:‏ خلف مثله ببلاده قال‏:‏ لا ولا بغيرها ‏.‏ وقال أبو داود سمعت أحمد يقول‏:‏ كان ابن أبي ذئب ثقة صدوقًا أفضل من مالك بن أنس إلا أن مالك أشد تنقية للرجال من أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث ‏.‏ أخبرنا عبد الرحمن ل‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمران المرزباني قال‏:‏ حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عيسى المكي قال‏:‏ حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد قال‏:‏ ابن أبي ذئب للمنصور‏:‏ يا أمير المؤمنين قد هلك الناس فلو أعنتهم بما في يديك من الفيء قال‏:‏ ويلك لولا ما سددت من الثغور وبعثت من الجيوش لكنت تؤتى في منزلك وتذبح ‏.‏ فقال ابن أبي ذئب‏:‏ فقد سد الثغور وجيش الجيوش وفتح الفتوح وأعطى الناس أعطياتهم من هو خير منك ‏.‏ قال‏:‏ ومن هو ويلك قال‏:‏ عمر بن الخطاب فنكس المنصور رأسه والسيف بيد المسيب والعمود بيد مالك بن الهيثم ولم يعرض له والتفت إلى محمد بن إبراهيم الإمام فقال‏:‏ هذا الشيخ خير أهل الحجاز ‏.‏ أخبرنا عبد الرحمن قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال‏:‏ حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن كثير قال‏:‏ حدثني حسن بن زيد قال‏:‏ كان قد ولي عبد الصمد على المدينة فعاقب بعض القرشيين وحبسهم قال‏:‏ فكتب بعض قرابته إلى أبي جعفر فكتب أبو جعفر إلى المدينة وأرسل رسولًا وقال‏:‏ اذهب فانظر قومًا من العلماء فأدخلهم عليه حتى يروا حاله ويكتبوا إلي بها فأدخلوا عليه في حبسه مالك بن أنس وابن أبي ذئب وابن أبي سبرة وغيرهم من العلماء فقالوا‏:‏ اكتبوا بنا ترون إلى أمير المؤمنين ‏.‏ قال‏:‏ وكان عبد الصمد لما بلغه الخبر حل عنه الوثاق وألبسه ثيابًا وكنس البيت الذي كان فيه ورشه ثم أدخلهم عليه ‏.‏ فقال لهم الرسول‏:‏ اكتبوا بنا رأيتم فأخذوا يكتبون شهد فلان وفلان ‏.‏ فقال ابن أبي ذئب‏:‏ لا تكتبوا شهادتي أنا أكتبها بيدي إذا فرغت فارم إلي بالقرطاس قال‏:‏ فكتبوا رأينا محبسًا لينًا ورأينا هيئة حسنة وذكروا ما يشبه هذا من الكلام ‏.‏ قال‏:‏ ثم دفع القرطاس إلى ابن أبي ذئب ما نظر في الكتاب فرأى هذا الموضع نادى‏:‏ يا مالك داهنت وفعلت وفعلت وملت إلى الهوى لكن اكتب‏:‏ رأيت مجلسًا ضيقًا وأمرًا شديدًا ‏.‏ قال‏:‏ وجعل يذكر شدة الحبس وضيقه قال‏:‏ وبعث الكتاب إلى أبي جعفر فقدم أبو جعفر حاجًا فمر بالمدينة فدعاهم فلما دخلوا عليه جعلوا يذكرون وجعل ابن أبي ذئب يذكر شدة الحبس وضيقه وشدة عبد الصمد وما يكون منه ‏.‏ قالوا‏:‏ وجعل أبو جعفر يتغير وجهه وينظر إلى عبد الصمد قال الحسن بن زيد‏:‏ فلما رأيت ذلك أردت أن ألينه فخشيت على عبد الصمد بن أبي جعفر أن يعجل عليه فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ويرضى هذا أحد قال ابن أبي ذئب‏:‏ أما والله إن يسألني عنك لأخبرته فقال أبو جعفر‏:‏ فإني أسألك فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ولي علينا ففعل بنا وفعل ‏.‏ فأطنب في ‏.‏ فلما ملأني غيظًا قلت‏:‏ أفيرضي هذا أحد يا أمير المؤمنين سله عن نفسك فقال أبو جعفر‏:‏ فإني أسألك عن نفسي فقال‏:‏ لا تسألني فقال‏:‏ أنشدك الله فكيف تراني قال‏:‏ اللهم ما أعلمك إلا ظالمًا جائرًا قال‏:‏ فقام إليه وفي يده عمود قال الحسن فجمعت إلي ثيابي مخافة أن يصيبني من دمه وقلت‏:‏ الآن يضربه بالعمود فجعل يقول له‏:‏ يا مجوسي أتقول هذا لخليفة الله في أرضه وجعل يرددها عليه وابن أبي ذئب يقول‏:‏ إنك تنشدني بالله يا عبد الله ‏.‏ قال‏:‏ ولم ينله بسوء قال‏:‏ وتفرقوا على ذلك ‏.‏ عن محمد بن خلاد قال‏:‏ لما حج المهدي دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي ذئب فقال له المسيب بن زهير‏:‏ من هذا أمير المؤمنين فقال ابن أبي ذئب‏:‏ إنما يقوم الناس لرب العالمين فقال المهدي‏:‏ لقد قامت كل شعرة في رأسي ‏.‏